{ثُمَّ نُنَجِّى} وقرأ الكسائي بالتخفيف وإسكان النون .
وقيل: هذه أيضا قراءة يعقوب . قيل: وقرئ ننجى بالبناء للمفعول ولا وجه المفعول ليلة بنون واحدة فيكون ماضيا مكسور الجيم مفتوح الياء للاستقبال . وقرأ ابن مسعود وابن عباس والجحدرى وابن أبي ليلى بفتح التاء على الظرفية .
{الَّذِينَ اتَّقُوْا} الشرك والكفر منها {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا} في النار أو حولها . {جِثِيًّا} فيمضى المسلمون منها أو من حولها ويبقى الكافرون فيها أو يبقون حلوها ثم يطرحون فيها .
قال ابن عبد البر - من علماء الأندلس وزهادها في التمهيد - بعد أن ذكر رواية الورود بمعنى الدخول: وعن كعب الأحبار أنه تلا: {وإن منكم إلا واردها} فقال: أتدرون ما ورودها؟ إنه يجاء بجهنم فتسمك للناس كأنها متن إهالة يعني الوَدَك الذي يجمع على القِدر من المرقة ، حتى إذا استقرت عليها أقدام الخلائق بَرِّهم وفاجرهم نادى مناد: أن خذى أصحابك وذرى أصحابى ، فتخسف بكل ولى لها ، فهي أعلم بهم من الوالدة بولدها ، وينجو المؤمنين ، نَدِّيةً ثيابهم . انتهى .
والمراد بالظالمين ظالموا أنفسهم بالشرك ، أو بالكبيرة غير الشرك . فأصحاب الكبائر ممن يخلد فيها . وقومنا يقولون: إن الظالمين المشركون ، أو هم وأصحاب الكبائر . فتركهم فيها إدخالهم وتعذيبهم ، ثم يخرج أصحاب الكبائر بعد .
واحتج بعض القوم على أن الظالمين المشركونن وأن الذين اتقوا من اتقى الشرك ولو مات على الكبيرة: بأن من آمن بالله ورسوله صح أن يقال: إنه متق عن الشرك . ومن صدق عليه المركّب صدق عليه المفرد ، ومن صدق عليه أنه متق عن الشرك صح أنه متق . ومن صدق عليه ذلك وجب أن يخرج من النار لعموم: {ثم ننجى الذين اتقوا} .
قلت: هذا بمعزل عن التحقيق؛ فإنه ليس من صدق عليه المركب صدق عليه المفرد . ألا ترى أن المداد مركب من زاج وعفص وعلك ولا يقال: إن المداد زاج وحده ، أو عفص ، أو علك ، وزيد قائم يصدق عليه أنهُ كلام ولا يصدق عليه بأنه كلمة إلا مجازا ، على ما فيه من البحث في محله .
ويلزم على قول ذلك القائل أن من صلى صدق عليه انه صلى الصلوات كلها ولو كان صلى بعضا فقط لعلموم صلى .
ورووا عن أبي هريرة أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟
قال: هل تُمارون في القمر ليلة البدر ليس دون سحاب؟
قالوا: لا .
قال: هل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟
قالوا: لا .
قال: فإنكم ترونه . يحشر الناس يوم القيامة فيقال: من كان يعبد شيئا فليتبع فتابع الشمس ، وتابع القمر ، وتابع طالوت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم .
فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا .