{رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ} : يقدر مضاف ، أي سمعنا نداء مناد وهو صوته ، أو سمعنا صوت منادن أو كلام مناد ، وذلك أنه إنما تسمع الأصوات لا جسم المتكلم ، ولكن حذف ذلك تأكيدًا حتى كان جسم الإنسا المنادى دخل أسماعهم ، كما يدخلها الصوت ، وجملة ينادى نعت لمناديًا ، على قول مجيز نعت الوص أو نعت لموصوف محذوف أو حال منه ، أي: إنسانًا مناديًا يمادى للإيمان ، وهذا الجملة تكون نعتًا لنكرة أو حال من معرفة أو من نكرة مسوغة بعد لفظ « س م ع » عند الجمهور . ومفعولا ثانيًا عند الفارسى ، وعليه فينادى مفعول لسمع ، وأكد أمر المنادى بتنكيره ، كأنه قيل: مناديًا عظيمًا ، وبوصفه بجملة ينادى وبتقيده بالإيمان بعد إطلاق ، وذلك أنه يتبادر من المنادى أنه المنادى للحرب وأنه لإطفاء نار أو إغاثة لهفان مثلا في الجملة ، فإذا قيد بالإيمان ، فقد رفع شأنه والمنادى رسول الله A لأنه الذي يدعو الخلق حقيقة ، قال الله جل وعلا له: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} وقال: {وداعيًا إلى الله بإذنه} وذلك قول الجمهور وابن عباس وابن وابن جريح وغيره ، وقال محمد بن كعب القرظى: المنادى كتاب الله وليسوا كلهم رأوا النبي A وسمعوه وإسناد النداء إلى القرآن ولو كان مجازًا ، لكنه من المجاز المشهور المتعارف ، فشملت الآية من ذلك صفته ، ممن مضى أو يأتي وعدى النداء باللام لأنها دلت على الانتهاء والاختصاص فذلك في معنى {إلى} فلا حاجة إلى إن يقال إن اللام مستعملة بمعنى {إلى} فلذا يتعدى النداء ، والدعاء والعود والإيحاء والهداية باللام ، وبالى وذل أنلك إذا قلت مثلا: دعوت الناس للخير ، فكأنك قلت: دعوتهم ليتناوله ، وإنما يتناول الشيء من انتهى إليه ، ووصل إليه .
{أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ} : أن حرف تفسير لتقدم جملة فيها معنى القول دون حروفه ، وهي ينادى أو مصدرية ، على إجازة دخولها على الطلب ، وعليه فتقدر الباء أي بأن آمنوا .
{فَآمَنَّا رَبَّنَا} : أي فامتثلنا يا ربنا ، قال أبو الدرداء ، رحم الله المؤمنين ، ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجيب لهم ، وكذا عن الحسن ولعله روى عنه: يجوز أن يكون قوله {ربنا} مسلطًا على قوله:
{فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ} لأن {ربنا} جملة إذ معناه: ادعوا ربنا ، لإنشاء الدعاء ، فيكون من تقديم جملة أصلها التأخير للابتهال باسم الله والتلذذ به ، فقس على هذا ، أو مسلطًا على محذوف ، أي: افعل لنا ذلك فاغفر لنا وإذا سلط على {فاغفر} إلخ فقوله: