{بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاَء} الكفرة ، استدراجًا بالصحة ، وطول العمر ، والمال ، والنعم .
{وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} أي ظهر لهم طوله ، فاغتروا بذلك ، وظنوا أن لا يزول عنهم .
وقيل: المراد طال عليهم العمر بلا مجئ رسول إلى أن جاءهم محمد وبل في {بل تأتيهم} لالنتقال إلى ما هو أعظم من عدم كفهم النار عن أنفسهم ، وهو كون وقت ذلك يأتي بغتة ، أو بلإضراب عما يتوهم من بعد ، أو امتناع الوقوع .
والإضراب في قوله: {بل هم عن ذكر} الخ ، والإضراب في قوله: {أم لهم} إلى آخره ، هما عن الأمر بالسؤال على الترتيب ، فإنه عن المعرض الغافل عن الشيء بعيد . وإنما يُسأل عن الشيء المقبل إلى ذلك الشيء العالم بحاله ، وعن المعتقد لنقيضه أبعد .
والإضراب في {بل متعنا} هو عما توهموا ، أضرب عنه ببيان ما هو الداعي إلى حفظهم ، وهو الاستدراج ، أو أضرب عن الدلالة على بطلانه ، ببيان ما أوهمهم ذلك ، وهو أنه تعالى متَّعهم بذلك ، فتوهموا أنه بسبب ما هم عليه ، وهو أمل كاذب كما قال: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} بتسليط المسلمين على أهلها الكفار ، يفتحها الله للنبي A وللمؤمنين ، ويزيل حكمهم منها ويطوى نشرهم .
والإتيان: الإرادة هنا والقصد ، كأنه قيل: نريدها بالنقصان . وننقص حال مقدرة . ولو قال: أفلا يرون أننا ننقص الأرض من أطرافها لصح ، لكن عبر بالإتيان تصويرًا لما يحرى الله على أيدى المسلمين ، من أنهم يأتون أرض المشركين ، ويغزونهم ويغلبونهم ، أو كما يقول السلطان: قتلنا في موضع كذا وكذا غالبين وإنما قتلت جنوده .
أو الأصل: يأتيها جنودنا ، فحذف المضاف فتاب المضاف إليه ، فجئ ينقص موافقًا له ، والأصل: ينقصونها .
{أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} لا بل الغالبون هم النبي A والمؤمنون بالقبر وموت رؤوس المشركين المستعجلين ، أفلا يصدقون بمحمد!!
وعن ابن عباس: نقْصها من أطرافها: إماتة فقهائها وعلمائها .
قيل: موت عالم أحب إلى إبليس من موت ألف عابد .
ومراد ابن عباس: الفقهاء والعلماء من الأمم السابقة يميتهم الله ، ويبقى الناس بلا دين ، ويطيل أعمارهم في المعاصى ، وذلك استدراج شديد ، وهم المفرِّطون في أخذ الدين ، حتى مات أهله . وليس ذلك ليكونوا غالبين ، بل ليموتوا كفرة على يد غالبهم ، وهو النبي A . والأول قول الحسن .
وروى عنه أن الله جل وعلا يبعث قبل القيامة نارًا تطرد الناس من أطراف الأرض إلى الشام ، تنزل إذا نزلوا ، وترحل إذا رحلوا ، وتقوم القيامة عليهم في الشام ، وإن ذلك هو قوله: تنقصها من أطرافها . أفيظن المشركون أنهم يغلبون هذا الأمر ، ويمتنعون منه كأنه قال: أفلا يعلمون ذلك ، وإن لم يعلموا فليعلموا .