{الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ الأرْضَ فِراشًا} : صفة ثانية لربكم أو منصوب بمحذوف أي امدح الذي، أو خير لمحذوف أي هو الذي، أو مبتدأ خبره فلا تجعلوا لله، والرابط هو لفظ الجلالة، وضعًا للظاهر وموضع المضمر، وإنما ساغ ذلك الإخبار مع اختلاف زمان الجعل الأول، والثاني مضيًا واستقبالا، لأن الأول باق أثره إلى زمان الثاني، أو لأن القول مقدر فمقول فيه: لله أندادًا، وعلى هذا الوجه يجوز نصبه على الاشتغال أرجح من الابتداء، والجعل هنا بمعنى التصيير بالفعل، وقد يكون تصييرًا بالقول أو بالاعتقاد، ويجوز كونه بمعنى الخلق وعليه: ففراشًا حال من الأرض مقدرة، ومعنى جعلها فراشًا جعلها كالفراش في التوسط بين الصلابة واللطافة، وفي البسط، حتى صارت مهيأة أن يناموا أو يقعدوا عليها كالفراش المبسوط، فلو جعلها صلبة كالحجر لعسر النوم عليها والقعود، ولو جعلها لطيفة كالماء لم يمكن النوم والقعود على سطحها، ولا دليل في كونها كالفراش على كونها غير كرية الشكل، لأن الجسم الكبير يتراءى بسيطًا ولو كان كريًا، فالبيضة على دورها تظهر بسيطة لما صغر جدًا كالقملة، وتتبين كرية الشكل وبسيطة بالرؤية والحس.
{وَالسَّمَآءَ بِنَآءً} : معطوفان على قوله الأرض فراشًا عطف معمولين على معمول واحد، وكأنهما جملة اسمية معطوفة على الأخرى غير أنهما تسلطا عليهما معنى الجعل واكتسى لفظهما بالإعراب الذي اقتضاه، ولذلك كان عاطفهما وعاطف ما أشبههما حرفًا واحدًا أصلهما هنا مبتدأ وخبر والمبتدأ والخبر جملة يعطفها حرف واحد، وليس كل معمولين معطوفين كذلك، فإذا لم يكونا كذلك كما إذا جعلنا الثاني حالا، وكقولك ضرب زيد عمرًا وبكر خالدًا، فلما ساغ العطف بواحد لأنه في التحقيق داخل على العامل أي وجعل السماء بناء، وضرب بكر خالدًا، والسماء اسم للسماء الواحدة لا يدل على اثنين فصاعدًا، إلا من جهة أل إذا قصدت الدالالة بها على ذلك، فهو اسم جنس يقع على الواحدة وما فوقها من جهة أل كالدينار والدرهم، وقيل هو جمع سماءة، والبناء اسم لما بنى بيتًا أو قبة أو خباء، يقال بنى على امرأته واتبتنى بها، كناية عن الدخول عليها بالجماع الأول، لأنهم إذا أرادوا ذلك ضربوا عليها بناء من جلد أو كتان أو غير ذلك، وأصل البناء مصدر، بمعنى وضع البيت أو القبة أو الخباء أو نحوهن وتركيبه، فهو من التسمية بالمصدر كالنبات يطلق على خروج الشجر من الأرض، وعلى نفس الشجر، وفي الآية تلويح بأن الله - جل وعلا - لعظم فضله ورحمته جعل الإنسان كالعروس وكذا المرأة، وإن شئت فقل كالملك بكسر اللام فيبيت مفروش معد فيه ما يحتاج إليه، فالسماء كالسقف والأرض كالبساط والنجوم كالمصابيح، وفيه أصناف النبات والثمرات، وفيه الحيوانات والماء، وهذه المنافع عمت الناس فيجب على كل مكلف منهم شكرها، فأفقر الفقراء قد وصلته منافع الدواب، سواء تملكها أو لم يتملكها.