{بَديعُ السَّمواتِ والأرْض} : خبر لمحذوف ، أي هو بديع السموات والأرض وهو من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها ، كقولك زيد كريم الأب ، كأنه قيل هو بدعة سموانه وأرضه بضم الدال ، أي حصلت بعد العدم بلا قياس على مثال سابقًا يقال بدع الشيء ، بضم الدال ، فهو بديع ، أي كان على صفة لم يكن عليها غيره ، ويضعف أن يكون بديع بمعنى مبدع بكسر الدال فيكون من إضافة الوصف إلى مفعوله لندور فعيل بمعنى مفعل بكسر العين ، كما قيل في قول عمرو بن معد يكرب:
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقنى وأصحابى هجوع
أن السميع بمعنى مسمع ، وليس متعينًا لجواز أن يكون بمعنى السامع ، لأن المتكلم يسمع كلام نفسه من لسانه ، فالداعي وهو داع الشوق لما دعاه سمع كلام نفسه الذي خاطب به معد يكرب ، ولجواز أن يكون بمعنى مسموع ، والبيت في أخت معد يكرب واسمها ريحانة ، أسرها دريد ابن الصمة الحشمى ، والداعي مبتدأ خبره من ريحانة ، أو فاعل للجار والمجرور المتعمدين على الاستفهام ، وخص السموات والأرض بالذكر لأنها أعظم ما تشاهد ، وفي قوله: {بديع السموات والأرض} نفى لاتخاذ الولد أيضًا ، لأن الوالد أصل للولد المنفعل بانفصال مادته عن ذلك الوالد ، فالود منفعل عن والده ، وكذا الوالد منفعل بانفصال المادة عنه والله سبحانه وتعالى مبدع للأشياء كلها ، فاعلى على الإطلاق ، منزه عن الانفعال ، فلا يكون والدًا ، والإبداع اختراع الشيء لا عن شيء دفعة ، وإيجاده على غير مثال سبق ، أو تحصيله مما لم يكن منه ، وكل هذه المعاني صالحة في الآية ، وقد فسرته بالثاني ، وعلى كل حال هذا اللفظ هنا أولى من لفظ الصنع ، لأن الصنع يكون ولو على مثال سابق ، ويكون ولو مما أعتيد التحصيل منه ، ويكون ولو تركيب للصورة على أصل ، وأولى من لفظ التكوين ، لأنهُ بمعنى الصنع ، ويكون بتغير وفي زمان غالبًا ، فالإبداع أخص منهما ، وقرئ بجر بديع على أنه بدل من الهاء في قوله: {كلٌّ له قَانِتُون} أو في قوله: {بل لهُ ما في السَّمواتِ والأَرْض} وقرأ المنصور بنصه على المدح ، ونفى أيضًا الولادة عن نفسه تعالى بأن إيجاد الولد يكون بالانتقال من صفة إلى صفة ، ومن حال إلى حال وبمهلة ، وفعله تعالى يستغنى عن ذلك كما قال:
{وإذا قَضَى أَمرًا فإِنَّما يقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون} : أي إذا أرد شيئًا فإنما يقول لهُ احصل فيحصل ، ولا يحتاج إلى علاج في حصوله ، ولا إلى شيء ، لكن يقول له كن فيكون ، مع أنهُ ليس المراد حقيقة القول ولا حقيقة الأمر ، وامتثال الأمر بالمراد حصول ما أراد حصوله بلا مهلة كما يمتثل المأمور المطواع ما أمر به بلا توقف ، فشبه تعلق إرادة الله تعالى بحصول الشيء بتعلق أمر الآمر بالمأمور المطواع المبادر إلى الامتثال ، ومن كان بهذه الصفة من حصول كل ما أراد بمجرد إرادته لم يحتج إلى الولادة المرتبة شيئًا فشيئًا ، وباينت حاله حال الأجسام المتوالدة ، وكان غنيًا عما يحبه الناس أن يحصل لهم من أولادهم ، فهذا تقرير لمعنى الإبداع ، كما أنه نفى للولادة ، وقد علمت أنه لا خطاب هناك حقيقًا ، وقيل يخلق لفظة: كن في غير جسم أو في جسم من الأجسام بعد حصول بعض الأحسام ، فيأمر بها ما أراد وجوده من العدم ، ولو شاء لأوجده بدون ذلك .