فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 7694

{يَا بَنِى إسرَائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتىَ الَّتِى أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} : أعاده تأكيدًا في شكر النعمة ووجوب شكرها ، وليذكر وامعه إيجاب ذكر التفضيل الذي هو من عظم النعم ، وليعقبه بذكر الوعيد الشديد الذي لا تدفع منه نفس عن نفس شيئًا على ترك الشكر الذي من جملته الإيمان بمحمد A ، وما جاء به وليس كما قيل إنما تقدم للمؤمنين والكافرين منهم ، وهذا للكافرين منهم خصوصًا وليس قوله: {ولا يقبل منها شفاعة . . إلخ} دليلًا عليه كما قيل: لأن ذلك وعظ يوعظ به المؤمن والكافر ، نقول اتق يومًا لا شفاعة للموحد الشقى ، ولا نصر ولا للمشرك . ولأن التحقيق لأأنهُ لا شفاعة لأهل الكبائر المصرين . فالخطابان يعمان المؤمن والكافر ، والأول أقرب للكافر لقوله: {ولا تكونوا أول كافر به} {وَأنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلى العَالَمِينَ} : بفتح همزة أن ، عطف على المفول به وهو نعمتى ، قال ابن هشام: أو معطوفة على شيء من ذلك نحو: {واذكروا نعمتى التي أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العالمين} أي فضلت آباءكم على العالمين من أهل زمانهم لا على كل أحد لأن هذه الأمة أفضل الأمم . ونبيها أفضل الأنبياء . قال الله سبحانه وتعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} وقد طلب موسى أن يكون من هذه الأمة ، وفي التوراة والإنجيل التصريح بتفضيل هذه الأمة ونبيها ، فبان أن هذه الأمة ونبيها مستثنيان من الآية ،

وإنما المراد كما قال قتادة: تفضيل المؤمن بموسى في عصره وبعده قبل أن يغير ، وإنما أعطاهم الله D من العلم والإيمان والعمل ، وجعل فيهم أنبياء وملوكًا مقسطين . ويجوز أن يكون المعنى جعلت في بنى إسرائيل شيئًا شريفًا فاضلا في ذاته ، ولم أجعله في غيرهم من أول الدنيا إلى آخرها وهو كثرة الأنبياء . وليس في هذا تفضيل بنى إسرائيل على هذه الأمة ، بل تفضيل هذه الأمة إذ كان فيها نبي واحد هو أفضل الأنبياء كلهم ، يدخل منهم الجنة ما لا يدخل من بنى إسرائيل وبنى آدم كلهم ، مع قصر أعمارهم ، ولا يكثر توالدهم ، فلو جعل الله في أيدى إنسان مالا كثيرًا فلم ينتفع به لدينه ، أو انتفع قليلًا ، وجعل في يد آخر مالا قليلًا فانتفع به لدينه انتفاعًا كثيرًا ، لم نقض بتفضيل الذي في يده مال كثير على الذي بيده قليل ، بل العكس ولو كان المال الكثير في حد ذاته خيرًا من القليل ، فأل في العالمين على الوجه الأول للحقيقة ، وعلى الثاني للاستغراق ، ولما كان في تفضيل آبائهم شرف لهم كما مر ، قال: {فضلتكم} فإن قلنا فضلتكم بتفضيل آبائكم فواضح ، وإن قلنا بتقدير مضاف ، أي فضلت آباءكم فوجهه بقاء الكلام بعد حذفه في صورة تفضيلهم أنفسهم ، واستدل بالآية على تفضيل البشر على الملك ، ويرده أن المراد تفضيل بنى إسرائيل على العالمين من بنى آدم ، لأن ما به التفضيل من خصوصيات بنى أدم كالنبوة ، وأن التفضيل ولو عم الملائكة والإنس لكنهُ مطلق فيصدق ولو بصورة واحدة ، والتفضيل بمخصوص لا يقتضى التفضيل بالذات ولا من كل وجه ، كما قد توجد عبادة من ضعيف مخصوصة لم توجد فيمن هو أعبد منهُ ، وتوجد جوهرة عظيمة المقدار عند فقير لم يوجد مثلها لأصحاب الأموال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت