{والَّذينَ} بدل من آخرون ، أو خبر لمحذوف ، أو مفعول لمحذوف ، أي هم أو أعنى ، وهذا على أن أهل مسجد الضرار هم المرجون ، وإما على أنهم غيرهم فالذين مبتدأ خبره لا تقم فيه ، أو منصوب على الاشتغال ، ويقدر محذوف ، أي لا تقم في مسجدهم ، فلما أعيد الضمير إلى المسجد المضاف إليهم سقط ضميرهم ، لأن الضمير لا يضاف ، أو مسجد الذين ، فالحذف من الأول أو الآخر ، وذلك قول الكسائي ، وقال النحاس: الخبر لا يزال بنيانهم ، وفيه بعد ، وذكر بعض أنه أفصح ، وقال المهدوى: الخبر محذوف أي معذبون أو مهلكون ، أو من المنافقين ، وذلك قراءة نافع ، وابن عامر ، وأبي جعفر ، وشيبة وغيرهم ، وقرأ غيرهم بالواو عطفا على آخرون ، أو على الابتداء والخبر ما ذكرنا وجهة ، أو يقدر لمن وصفنا الذين ، أو منصوب على الاشتغال على ما مر ، أو مفعول لازم محذوفا .
{اتَّخذُوا مسْجدًا ضِرارًا} مفعول لأجله مصدر ضار بالتشديد أو بنوه مضارة للمؤمنين ، والنبي A ، وليست المفاعلة على بالها {وكُفْرًا} منهم ، أو تقوية للنفاق والشرك ، {وتَفْريقا بَيْن المؤمِنينَ} الذين يجتمعون في مسجد قباء ، أرادوا تفريقهم باختلاف الكلمة ، وبالصرف إلى مسجدهم {وإرْصادًا} ترقبا ، وأجيز تلك المصادر أحوالا مبالغة ، أو بتقدير مضاف ، أو بالتأويل بالوصف .
{لمَنْ حَاربَ} وقرأ الأعمش للذين حاربُوا {اللهَ ورسُولَه} وهو أبو عامر لراهب لعنه الله ، وهو والد حنظلة غسيل الملائكة ، ولقب عبد عمر ، وكانت أمه من الروم ، وكان يتعبد في الجاهلية ، ولبس المسموح وترهب وتنصر ، فسمى راهبا ، وكان سيدا في قومه ، وقريبا من عبد الله بن أبي بن سلول ، ترقبوه أن يأتي من الشام فيصلى فيه ، وترقبوه أن يتقوى بالاجتماع فيه {مِنْ قَبلُ} متعلق بحارب ، أي من قبل اتخاذ المسجد .
« قال لرسول الله A يوم أحد: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ، ولم يزل يقاتل إلى يوم حنين فانهزم مع هوازن ، وهرب إلى الشام ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله A ، وكان يجمع الجيوش يوم الأحزاب ، وانهزم وخرج إلى الشام لذلك ، ولما أتى رسول الله A المدينة قال له: ما هذا الدين الذي جئت به؟ فقال رسول الله A: » جئت بالحنيفية دين إبراهيم « قال: فأنا عليها ، فقال له رسول الله A: » إنك لست عليها « فقال: بلا ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس فيها ، فقال رسول الله A: » ما فعلت ، ولكن جئت بها بيضاء تقية « فقال: أمات الله الكاذب منَّا طريدا وحيدا غريبا ، فقال رسول الله A: » آمين « وسماه الناس أبا عامر الكذاب ، وسماه رسول الله A أبا عامر الفاسق .
ولما ذهب إلى الشام ليأتي بالروم ، وقد أرسل إلى المنافقين أن استعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح ، وابنوا مسجدا ، فإني ذاهب إلى قيصر لآتى بجند من الروم ، فأخرج محمد وأصحابه ، فبنوه . مات بقنسرين بكسر القاف وفتح النون وكسرها مشددة بلدة بالشام طريدا وحيدا غريبا » .