{ولَو أنَّنا نزَّلنا إليْهم الملائكة} تشهد بأن محمدًا A رسول الله كما طلبوا {وكلَّمهم الموتَى} بأن أحيينا لهم من تقادم موته كقصى ، ونطق لهم بلسان فصيح ، أن محمدًا A رسول الله كما طلبوا {وحَشَرنا} جَمعْنا {عَليْهم كلِّ شئٍ} خلقه الله من الدواب والوحش ، والطير والحوت ، والجبال والشجر والحجارة ، وغير ذلك من كل ما خلقه الله ونطق لهم بأن محمدًا رسول الله A ، وذلك زيادة على ما طلبوا {قُبُلًا} ينطق برسالته مواجهة يرونه بأعينهم ويسمعونه بآذانهم .
{ما كانُوا ليُؤمنُوا} بالله وحده ، وبمحمد A رسوله لقضاء الله بكفرهم {إلاَّ أنْ يَشاء اللهُ} إلا مشيئة الله ، أي لكن مشيئة الله هي المعتبرة ، فالاستثناء منقطع ، أو إلا بأن يشاء الله ، أي إلا بمشيئته ، فالاستثناء متصل ، ومعنى قولهم: إن الآية نزلت في المستهزئين وغيرهم ممن قال لا نؤمن ، إلا أن جاء ببعض أسلافنا والملائكة وشهدوا له بالرسالة أن معناها عائد لذلك ، لأنها نزلت مفردة في زمان لذلك الشأن ، لأن الأنعام نزلت بمرة ، فالقصة الواحدة تنزل في شأنها آيات واحدة في حال وقوعها ، أو السؤال عنها ، والآخر بعد ذلك ، والنازل في هذه القصة آية الأسرى وغيرها تكرير لها لحكمة ، وعلى الاستثناء المنقطع لا يكون الاستثناء لأحد يؤمن والآية في المشركين الأشقياء ، والمعتبر في شقاوتهم مشيئة الله ، وعلى الاتصال يكون الاستثناء لقوم سعداء ، شاء الله إيمانهم .
وزعمت المعتزلة أن الاستثناء منقطع على طريق يناسب اعتقادهم ، هو أن المراد عندهم ، إلا أن يشاء الله إيمان الأشقياء إجبارًا لا اختبارًا كذا قيل عنهم إن الإيمان القهرى لما لم يكن من الاختياري كان منقطعا ، وهذا خطأ في الإعراب كما أخطأت المعتزلة في المعنى أيضا ، فإن الإيمان ولو أريد منه الاختياري في قوله: {ما كانوا ليؤمنوا} لكن لفظ عام فالاستثناء المتصل سائغ ولو على مذهبهم ، والحق أن المشيئة مشيئة إيمانهم اختيارًا ، أي لو شاء الله تعالى لآمنوا اختيارًا ، ولما لم يؤمنوا علمنا أنه ما شاء إيمانهم ، وأما إيمانهن قهرًا فلا مدخل له ، ولا حضور في الكلام ثبوتًا ولا نفيًا ، ومعنى قُبُلًا مقابلة ومواجهة ، مفعول مطلق ، أي حشر مقابلة ومواجهة ، أو حال من كل أي مقابلا ، أو ذا مقابلة ، وذلك قراءة نافع وابن عامر بكسر القاف وفتح الباء ، وقرأ غيرهما قبلا بضمهما ، ومعناه مقابلة عند ابن عباس ، وذلك قراءته ، فإعرابه كإعراب قراءة نافع كلها ، وزاد عليها بأن يكون جمع قبيل بمعنى الكفيل وهو قول الزجاج والفراء قبله ، أي كافلين بصدق محمد في وعده ووعيده ورسالته وإخباره ، أو جمع قبيل بمعنى فريق ، أي يحشرهم جماعة جماعة ، أو صنفا صنفا يشهدون لهُ وهو أيضا في الوجهين حال .