فهرس الكتاب

الصفحة 545 من 7694

{ربَّنا} : نداء ثان مؤكد للنداء في قولهما {ربنا تقبل منا} أو نداء عائد إلى قولهما {إنك أنت} أي إنك أنت يا ربنا السميع العليم ، أو إنك يا ربنا أنت السميع العليم مضاف إلى محذوف وقع العطف عليه في قوله:

{واجْعلنَا مُسْلمَين لَكَ} : أي يا ربنا أجب لنا واجعلنا مسلمين لك أي منقادين لأمرك ونهيك ، أو مخلصين لك . ومن أسلم وجهه أو أخلصه ، أو مؤمنين عاملين لك عملا صالحا ، وذلك كله حاصل فيهما قبل هذا الدعاء ، ولكن أراد الدعاء بزيادة في ذلك أو بالثبات عليه . وقرئ مسلمين ( بكسر الميم وإسكان الميم إسكانا ميتًا وفتح النون ) وله أوجه: أحدها أن يكون من استعمال صيغة الجميع في الاثنين ، ونكتته أنه يخرج منهما إتباعا لهما على الخير والثاني أن يكون أراد الدعاء بالجعل مسلما أنفسهما ومن يؤمن من ذريتهما ، والثالث أن يريدا نفسيهما وهاجر . وهي زوج إبراهيم أم إسماعيل عليه السلام .

{ومِنْ ذُريَّتنا أمةً مُسلمةً لَكَ} : من ذريتنا معطوف على مسلمين ، وأمة معطوقة على ( ن ) من قوله: {واجعلنا} كأنه قيل واجعل أمة مسلمة لك من ذريتنا ، ومن للتبعيض كأمثاله السابقة ، وخصا البعض لعلمهما أن في ذريتهما ظلمة ، كما أوحى الله D إلى إبراهيم: {لا ينال عهدى الظالمين . ومن كفر فأمتعه} ولعلمهما أن الخدمة الإلهية لا تقتضى الاتفاق على الإيمان والإخلاص والإقبال الكلى إلى الله ، فإن كثيرًا من أمر المعاش أو كثيرة يأتي بواسطة السفهاء حتى الدين ، فإنه قد يعز بالسفهاء ، روى عنه ، صلى الله عليه وسم: « يؤيد الله هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم وفي أثر ذلك قوم قلت سفهاءهم » ويقال: لولا الحمقاء لخربت الديار ، وخصا الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة ، قال الله تعالى: {قُوا أنفُسَكم وأهْلِيكم نارًا} ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع ، ألا ترى أن المقدم من العلماء والكبراء إذا كان صالحًا عادلا كيف يتسارع الصلاح والعدل إلى رعيته ، فقد تشاركت الذرية وغيرها في هذا ، وزادت بحق القرابة فكان الاهتمام بها أولى ، ويجوز أن تكون من للابتداء ، سواء قلنا الجعل المذكور هو العامل ، أو قدرنا اخلق أو اجعل بمعنى أخلق تعلق به من ، أي واخلق من ذريتنا أمة مسملة لك ، وكونها للابتداء لا يفوت بها التبعيض ، بل هو باق هنا فإنك تقول: أعطنى الدراهم من الكيس ، سواء تريد أن يعطيك بعضها فقط ، أو أن يعطيك الكل . ويجوز أن تكون من للتبيين متعلقة بمحذوف حال من أمة ، وأمة مفعول لا خلق أو اجعل ، بمعنى اخلق محذوفًا . قال ابن هشام: قال بعض إن الظرف كان صفة لأمة ، ثم قدم فانتصب على الحال ، يعني بالظرف قوله: {من ذريتنا} وهذا يلزم منه الفعل بين العاطف والمعطوف بالحال ، وأبو على لا يجيزه بالظرف ، فما الظن بالحال الشبيهة بالمفعول به؟ انتهى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت