قالَ يعقوب: {يا بنىَّ} الأصل يا بنين حذفت النون للإضافة لياء المتكلم ، وأدغمت فيها ياء الإعراب {اذْهبُوا فتحسَّسوا مِنْ يُوسفَ وأخِيهِ} بنيامين اطلبوا الخبر عنهما بالحساسة ، فمن بمعنى عن ويجوز كونها للابتداء ، فإن الخبر المسموع في حقها آت من شأنهما ، وقرئ بالجيم وهو أيضا طلب الخير ، وإنما قرأ به من يقول: إنه بالجيم وبالحاء سواء ، وقيل: إنه بالجيم في الشر وبالحاء المهملة في الخير {ولا تيأسُوا مِنْ رُوحِ الله} لا تقنطوا من فرج الله سبحانه وتنفيسه ، وقرأ الحسن ، وقتادة: من روح الله بضم الراء ، أي من رحمته التي تكون حياة للعباد {إنَّه لا ييْئسُ من رُوحِ اللّهِ إلاَّ القومُ الكافِرُونَ} بالتكذيب لله جل وعلا ، أو بجهله بالصفات ، فإن العارف لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال ، وفي الآية عذدى دليل على أن الإياس من رحمة الله في الدنيا كبيرة ، كما أن الإياس من رحمة الآخرة كبيرة ، فإن الآية في رحمة الدنيا وفَرَجها ، والمشهور في كتب الفقه ، وعلى الألسنة أن الإياس من رحمة الآخرة كبيرة ، ومن رحمة الدنيا ليس كبيرة .
وذكره الشيخ عمرو التلاتى في شرح النونية وقد تابعتهم عليه في بعض كتبى الفقهية قبل أن تظهر لي هذه الحجة ، ويبعد أن يكون قوله: {ولا تيأسوا} إلى آخره كلاما مستقلا في رحمة الآخرة .
روى أن يعقوب أمر شمعون على أنه [ إن ] رجع مع إخوته أن يكتب إلى ملك مصر ، بسم الله الرحمن الرحيم ، من يعقوب الحزين إلى عزيز مصر ، ولو عرفت اسمك لذكرتك به ، يا من اعتز بعزه ، فإن الله يعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، إني أيها العزيز رجل قد اشمأز قلبى ، وقدع الحزن أوصالى ، وإني ناء عن الأفراح ، دان إلى التراح ، دائم البكاء والصياح ، وأنا من نطف آباء كرام كيف يتوله منى اللصوص ، وأنا من الخصوص ، وقد أخبرت أنك وضعت الصاع في الليل في رحل ولدى الأصغر ، وذلك الهلال الأقمر ، واعلم أن حزنى على يوسف الفقيد دائم مسرمد ، وإن أفجعتنى في الآخر فإن قلبى لا محالة طائر .
وكتب إليه يوسف: اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا .
وفي عرائس القرآن: إن يعقوب كتب إلى يوسف: من يعقوب إسرائيل الله ، ابن إسحاق ذبيح الله ، ابن إبراهيم خليل الله ، إلى عزيز مصر الطاهر العدل ، الموفي الكيل .
أما بعد: فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء ، فأما جدى فابتلاه الله بنمرود فشدت يداه ورجلاه ورمى في النار ، وأما أبي إسحاق فشدت يداه ورجلاه ، ووضع السكين على قفاه للذبح ، وأما أنا فكان لي ابن أحب أولادى إلىَّ ، فذهب به إخوته إلى البرية ، ثم أتونى بقميصة ملطخ بالدم ، وقالوا قد أكله الذئب ، فذهبت عيناى ، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه ، وكنت أتسلى به ، ثم ذهبوا فرجعوا فقالوا: إنه سرق ، وإنك حبسته ، وإنا أهل بيت لا نسرق ، فإن رددته إلىَّ وإلا دعوت عليك بدعوة تدرك السابع من ولدك ، وختم الكتاب ودفعه إليهم ، ووجههم به إلى مصر مع بضاعه مزجاة كما ذكر الله سبحانه وتعالى في قوله: