{ولا تسبُّوا الَّذينَ يدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} النهي للنبي A والمؤمنين ، وواو يدعون من مشركين ، ومعناه يعبدون أو طلبون منهم حوائجهم ، والذين الأصنام ، وإنما قال فيهم الذين مع أنهم ليسوا بعقلاء ، لأنها عندهم بمنزلة العقلاء .
{فَيسبُّوا اللهَ عدوًا بغيرش علمٍ} النصب في جواب النهي بعد فاء السببية ، نهاهم أن يسبوا الأصنام لأن سبها سبب لسب المشركين الله عدوًا أي تجاوزًا إلى وصفه تعالى بالباطل بغير علم ، بما يجب وصف الله به ، فإن سبَّها طاعة ، لكن لما أدى إلى معصية وجب تركه ، ونهى عنه ، فذلك نهى عن سب الله ، وكذا كل طاعة أدت إلى معصية ، فتخرج أن يكون طاعة ، فيجب النهي عنها من حيث إنها تؤدى إلى معصية ، فالنهي عن المنكر إذا كان يؤدي إلى معصية وجب تركه ، وكان معصية ، وكذا لو استحق الواحد اللعنة ، وكان لو لعنته للعن ابنه أباك ، فأنت تقصد بلعنه طاعة لم يجز لك ، وقد كان يكفيك لعنه سرًان أو في غير ذلك الوقت ، أو كفى ما سبق من اللعن .
وأما ما لا يكون سببًا لمعصية من الطاعات ، فلا يترك لأجلها ، ولما ترك محمد بن سيرين صلاة الجنازة لما يحضرها من النساء ، فرجع قال له الحسن: لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا ، فأما أن يكون تخييلا لابن سيرين أن ذلك مثل الطاعة تسببت لمعصية فتركها ، فنبهه الحسن أن هذا ليس كذلكن لأن صلاة الجنازة ليس سببا لعصيانهن ، لأنهن يحضرن الجنازة ، ولو لم تحضر الرجال ، وإما أن يكون اختار الحوطة والنجاة عن الغنيمة .
وقد اختلف اختيار المؤمنين في طاعة يخاف عليها من معصية ، فبعض يختار السلامة ويطيع بغيرها ، وبعض يختار اغتنامها مع التحرز عن مواقعة المعصية ، وأظن أن هذا مرمى ابن سيرين ، والذي عندي اختيار الطاعة والتحرز عن المعصية والنهي كحضور جنازة فيها نائحة تنهى ولا تنتهى إلا المنظور إليه ، فلعل الترك له أحوط لئلا يقتدى به مقتد غير عالم بمخرجه ، وذلك في غير الفرض الذي لا يحتمل التأخير والبدل ، وأما هذا الفرض فلا يترك ، ولو يؤدي لمعصية كقتال المشركين المؤدى إلى قتالهم للمؤمنين وسبهم ، بخلاف سب الأصنام فإنه ليس واجبًا ، وإنما الواجب النهي عن عبادتها ، فكانوا يسبونها فيسبّ المشركون الله تعالى غضبا ، لا مع أنهم يقرون به تعالى ، كما رتى موحدا يغضب فيلغط بالشرك ، فنهاهم الله عن سبها .
وعن ابن عباس: لما نزل: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} قال المشركون: يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك ، فنزلت الآية في الأنعام لذلك ، أي نزلت في جملة الأنعام لذلك بمرة ، ولا بترك القرآن لأجل سبهم ، ولكن إذا كانت قراءته بحضرتهم سببًا لسب الله لم يقرأ بحضرتهم إلا الإبلاغ والإنذار والنهي ، وقيل: إذا لم ترد بقراءته سبها قرأته بحضرته ولا بأس ، وللو صرح بالسب ، وقيل: لا تقيسوا على ما ورد من السب في القرآن ، فتسبوا من عندكم ، وأما ما في القرآن فيقرأ ولو سبًا ككونها حصب جهنم ، ولا تضر ولا تنفع .