{إنَّما النَّسيءُ} التأخير وهو مصدر نسأه ينسأه بالهمزة بمعنى أخره ، ويقال أيضا: أنساه والأصل النسيء بالهمزة ، أبدلت ياء وأدغمت فيها الياء ، هذه قراءة نافع في رواية ورش ، وهي قراءة ابن كثير في رواية غير مشهورة ، وأبي جعفر ، وقرأ الباقون النسيء على الأصل المذكور بإسكان الياء بعدها همزة بوزن المسيس والنذير والصهيل ، وهو المشهور عن ابن كثير ، وإذا وقف حمزة وهشام وافقا نافعا ، وقرأ ابن كثير في رواية ، وجعفر بن محمد ، والزهرى: النسيء بإسكان السين بعده ياء فقط ، وقرأ ابن كثير أيضا في رواية: النسيء بإسكان السين بعده همزة متصلة به فقط ، وقرأ بعضهم: النساء بالمد ، وبعض النسيء بالقصر ، والكل مصادر بمعنى التأخير .
والمراد تأخير حرمة الشهر إلى شهر بعده ، كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أو مريدون المحاربة أحلوه وحرموا مكانه آخر ، ورفضوا تخصيص الأشهر الحرم ، وحرموا من العام أربعة على حد ما يوافقهم ، ولا يجوز أن يكون النسيء بتشديد الباء ، أو النسيء بإسكانها بعدها همزة فعيلا بمعنى مفعول ، لأن المؤخر الشهر ، والشهر لا يكون زيادة في الكفر كما قال أبو على الفارسى ، وقال أبو حاتم: هو فعيل بمعنى مفعول ، ولعله مضافا ، أي إنما إنساء النسيء .
وقال الطبرى: معنى النسيء الزيادة ، أي إنما الزيادة في الأشهر ، وذلك أن العام بما تفعله الجاهلية من التأخير يكون ثلاثة عشرة شهرا ، وربما جعلوه أربعة عشر شهرا ، ولذلك رد الله عليهم بأن الشهور اثنا عشر شهرا لا غير ، وقال في النسيء بإسكان السين بعده ياء: إنه الترك ، والصحيح أنه التأخير ، لكن أبدلت الهمزة ، وزعم أبو وائل: إن النسيء بإسكان الياء بعدها همزة رجل من كنانة ، أخبر عنه بزيادة في الكفر مبالغة أو بتقديره بزائد في الكفر ، أو بذو زيادة في الكفر ، أو بتقدير زيادة النسيء زيادة في الكفر ، وأن الهاء في به عائدة إليه وترده الهاء إن بعدها .
{زِيادةٌ في الكُفْر} الشرك لأنه تحليل ما حرم الله ، وتحريم ما أحل الله ، ضموه إلى شركهم {يُضلُّ} وقرأ أبو رجاء بفتح الضاد ، لأن ضل من باب ضرب ، ومن باب علم ، وذلك لغتان {به الَّذينَ كَفرُوا} أي يزدادون به ضلالا ، وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص ، وعاصم في رواية عنه ، وابن مسعود بضم الياء وفتح الضاد بالبناء للمفعول ، من أضله ليناسب زُيِّن ، والمضل لهم الله أو الشيطان ، أو رؤساؤهم .
وقرأ يعقوب وابن مسعود في رواية عنه ، والحسن ، ومجاهد ، وقتادة ، وعمرو بن ميمون ، بضم الياء وكسر الضاد ، على أن الفاعل ضمير الله سبحانه وتعالى ، أو ضمير الشيطان لعنه الله ، والذين مفعول أو الفاعل والمفعول محذوف ، أي يضل به الذين كفروا أتباعهم ورجحهم بعضهم والهاء عائدة إلى النسيء أي يضل بالتأخير الذين كفروا .