{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} : أي قبل اله الأنثى المذكورة المسماة مريم ، من أمها حنة ، مكان الذكر ، دعت الله أن يقبلها ، إذ قالت {فتقبل مِنّى} فأجاب الله دعاءها فقبلها ، فتقبل لموافقة المجرد ، بمعنى: قبل ورضى ، ويجوز أن يكون المعنى: أخذها منها حين ولدت ، كما تأخذ القابلة الولد حين يولد وذلك بأن قدر لها من أخذها وتفلكها للعبادةن وخدمة البيت وحين ولدت ، ولم يتركها حتى يكبر وتصلح للخدمة ، فيناسب هذا الوجه أن يكون كقولك استقبلها كقولهم تعجل بمعنى استعجله ومعنى استقبل الأمر:
أخذ بأوله . . قال القطامى:
وخير الأمر ما اسْتَقْبَلْتَ منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا
ومن المثل: خذ الأمر بقوابله ، ولك أن تقول: التقبل للمبالغة .
{بِقَبُولٍ حَسَنٍ} : القبول مصدر ولم يقل بتقبل حسن ، مع أنه أنسب لتقبلها وأدل على التوكيد بالمبالغة ، لأن لقبول يفيد معنى القبول على وقف طبع البشر ، والتقبل من الصيغ التي تدل على التكلف في الشيء ، فذكر القبول ألا بصيغة تدل على التكلف في وصف البشر بشدة الاعتناء ، ليفيد المبالغة ، وذكره ثانيا بلفظ يدل على أنه على وفق الطبع ، والباء زائدة في المعول اسم لما يقبل عليه الشيء كأنه قال بوجه حسن يقبل له النذر أو يأمر ذى قبول حسن ، وهو إقامتها مقام الذكر أو أخذها من حين ولدت ، بأن لم تترك حتى تصلح للخدمة .
{وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} : بأن كانت تنبت في اليوم ما ينبت غيرها من الأولاد في العام في كبر الجسم والعقل ، وكلما يصلح له قال ابن عباس: انبتها نبات السعادة .
{وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} : فام بمصالحها من طعام وشراب ولباس ودهن ، وغير ذلك ، لما ولدت حنة امرأة عمران مريم لفتها في خرقةن وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار وهم في بيت المقدس ، محبة وخدمة لبيت المقدس فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة ، أي: خذوها فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم ، وقيل: لأنها حررت لخدمة بيت الله والعبادة وكان أبوها قد مات فتنازع في كفالتها رءوس بنى سرائيل وأحبارهم وملوكهم قال مجاهد: فقال لهم زكريا أنا أحق بها عندي خالتها ، فقال له الأحبار: لو تركت لأحق الناس بها ، لتركت لأمها التي ولدتها ، ولكن نقترع عليها فتكون عند من خرج سهمه بها ، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين رجلًا ، إلى نهر الأردن فألقوا في الماء أقلامهمن على أن من رسب قلمه في المار فليست له ، ومن صعد على الماء قلمه ، فهو أولى بها ، فكان اسم كل واحد مكتوب على قلمه ، والقلم هو ما يتساهم به في مثل هذا المحل ، وقيل: أقلامهم التي يكتبون بها التوراة ، كما قال الشيخ هود: أقلامهم التي يكتبون بها الوحي قيل: كانوا يكتبون التوراة ، فألقوا اقلامهم في الماء ، كانت بأيديهم يكتبون بها ، فارتفع قلم زكريا على الماء ، وكان زكريا رأس الأحبار ونبتهم ، وإنما كان إشاع أخت مريم وخالتها أيضًا ، لأن عمران تزوج أم حنة ، فولد إشاع ، وكانت حنة بنتًا لغير عمران ، ثم تزوج عمران حنة ، وهي ربيبته على أن ذلك جائز في شريعتهم ، فولدت مريم فتكون إيشاع أخت مريم من الأب ، وخالتها أيضًا كذا قيل .