{واذْكُر ربَّك} بلسانك {في نَفْسِك} أي سرا بأن تحرك لسانك ، وتسمع أذنك ، أو يكون بدون أن تسمع ، وهذا عام في قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل ، وذلك أدخل في الإخلاص ، والتدبر ، وقيل: الذكر القراءة في الصلاة ، ويرده أن ليست قراءة الصلاة كلها سرا إلا إن أراد صلاة السر ، وقال: فرقة في صلاة ركعتين في الغدو ، وركعتين في الآصال قبل أن تفرض الخمس .
{تَضرُّعًا} خضوعا وهو مفعول لأجله ، أو مفعول م\طلقا أو حال على ما مر {وخِيفَةً} نوعا عظيما من الخوف ، قلبت الواو وياء لكسر ما قبلها ، ولا يحصل الخوف إلا وقد حصل الرجاء وبالعكس ، وإلا فالحاصل آيس لا خوف ، وقطع لا رجاء ، ولما كان لفظ الرب مشعرا بالتربية المتضمنة للرحمة والفضل والإحسان اتبعه بذكر التضرع والخوف ، ليجمع بين الخوف والرجاء .
{ودُونَ الجَهْر} عطف على في نفسك ، أو متعلق بمحذوف حال معطوفة على أخرى ، وهي تضرعا إذا جعل تضرعا حالا ، أي وثبوتا وتكلما ، وإنما قدرتها مصدر المناسبة تضرعا في المصدرية ، ويجوز تقديرها وصفا أي وثابتا أو متكلما ، ومعنى كون الإنسان دون الجهر أنه بمعزل عنه ، ويجوز كونه متعلقا بمحذوف نعت لمصدر محذوف منصوب بحال محذوف ، أي ومتكلما كلاما ثابتا دون الجهر ، وعلى كل حال فهو من حيث المعنى مؤكد لقوله: {في نفسك} إذا فسرنا في نفسك كما مر السر ، وذلك إغراء بالسر بذكره مرتين ، هذا ما ظهر بالتأمل .
ويجوز أن يراد بالذكر في النفس الإسرار بأن يسمع أذنه ، أو يحرك اللسان بلا إسماعها ، وبقوله: {دون الجهر} إسماع الغير بلا جهر مفرط ، فيكون الكلام إباحة للأمرين ، ومن فسر ذلك في الصلاة حمل الأول على صلاة السر ، والثاني على صلاة الجهر ، فيكون المراد بالجهر المجتنب الجهر المفرط كما علمت إشارة للتوسط .
ويجوز أن يكون المراد بالذكر في النفس عدم تحرك اللسان مع تتبع الكلام في النفس ، وهذا في غير الصلاة ، وأما فيها فلا إلا لذى علة لم يجد معها سوى ذلك ، لكن إطلاق الذكر على ذلك مجاز عند الجمهور فيما قيل ، وقيل: حقيق وبدون الجهر تحرك اللسان بدون إسماع الآذان ، أو بدون إسماع الغير ، وهذا في غير الصلاة ، وفي صلاة السر ، ويجوز أن يراد بالذكر في النفس استحضار جلال الله في القلب ، وبدون الجهر التكلم سرا ، والمعتبر في الذكر ذكر القلب .
{مِنَ القَوْل} متعلق بالجهر ، كقولك: أكلت من الطعام وشربت من المائع {بالغُدوِّ} في الغدو ، وهو جمع غدوة وهي البكرة {والآصالِ} جمع أصيل وهو ما بعد صلاة العصر إلى المغرب كيمين وأيمان ، ووزنه أفعال ، إلا أن ورشا نقل فتحة همزته للام ، وحذف الهمزة ، وقيل: جمع أصل بضم الهمزة والصاد ، وأصل جمع أصيل ، والمراد بالوقتين عموم الأوقات ، كما تقول لمن أردت وصفه بالنوم الكثير ينام بكرة وعشيا ، وهذا على ما مر من أن المراد مطلق الذكر ، وقيل: المراد خصوم الوقتين لفظهما ، فالغدوة وقت بعد الانتباه من النوم الشبيه بالموت ، فيفتح حياته بالذكر ، والأصيل آخر حياته ، بل قريب من آخرها ، لأنه لا ينام بعد العشاء ، والنوم كالموت فيستقبله بالذكر ، وأيضا تصعد أعمال الليل غدوة ، وأعمال النهار قريب المغرب أو فيه .