{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ} : في ميراث النساء ، وذلك أن عيينه بن حصن أتى النبي A فقال: أخبرنا أنك تعطى الابنة النصفن والأخت النصف ، وإنا كنا نورث من يشهد القتال ، ويحوز الغنيمة ، فقال E: « بذلك أمرت » فنزلت الآية ، وانما جمع مع إن السائل واحد ، لأنه ووفق على السؤال ، بأن حضر معه بعض قومه أو غيرهم ، وقد أحبوا سؤاله ، هذا ما ظهر لي .
ثم رأيت الشيخ هود والحمد لله قال عن الكلبى: كانوا لا يعطون الميراث الا من قاتل الأقوام ، وحاز الغنيمة ، وكانوا لا يورثون الجارية ، وكانوا يرون ذلك في دينهم حسنا ، فلما أنزل الله فرائض الميراث وجدوا من ذلك وجد شديدا ، فقال عيينه بن حصن لرهط من قومه: انطلقوا بنا لرسول الله A نذكر له فلعله يدعه الى غيره ، فأتوه فقالوا: يا رسول الله أتعطى الجارية نصف ما ترك أبوها وأخوها ، ويعطى الصبى الميراث كله ، وتعطى المرأة الربع والثمن ، وليس من هؤلاء أحد يركب الفرس ولا يحوز الغنيمة ، ولا يقاتل أحدا؟ فقال: نعم بذلك أمرت .
{قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} : يبين لكم ما أبهم من شأنهن ، فان الاستفتاء طلب الافتاءن والافتاء تبيين المبهم .
{وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الكِتَابِ} : عطف على لفظ الجلالةن فان الله أغنى بتنزيل الأحكام في القرآن ، والقرآن وهو المراد بالكتاب أفتى مجازا ، لأن فيه ذكر الأحكام ، ولكون المفتى في الحقيقة الله ، والقرآن انما هو محل الأحكام أفرد ضمير يفتى ، ولم يقل بفتياتكم ، ومع أن لفظ ما معطوف على لفظ الجلالة وأولى من ذلك عطف ما على المستتر في يفتى لوجود الفصل ، وفتوى الله وما يتلى واحدةن لكن عددت باعتبار تحقيقها لله ، وكون ما يتلى محلا لها ، تقول: أغنانى الملك وعطاؤه .
وان جعلنا ما مبتدأ ، وفي الكتاب خبره كان افتاء واحد ، أي وما يتلى من الافتاء الموعود به ثابت في القرآن ، ويجوز أن يحذف جوازا أي مذكور فيه ، والذي أفتى الله به وتلى علينا في القرآن هو آيات الميراث المذكورات أول السورة ، فالمضارعان بمعنى الماضي لتنزيل الماضي منزلة حاضر مشاهد ، أو المضارع للحال باعتبار أن الاتزال ولو مضى لكن استتم الحكم ، فكان كنزول في الحال ، ويجوز أن يراد بالكتاب اللوح المحفوظ ، فتكون يتلى للحال المستمر الشامل لمسألة الافتاء وغيره ، لأن جملة الشيء الذي مضى بعضه ، وحضر بعضه ، أو بقى أيضا بعض بعد الحاضر إذا اعتبر مجموعا صح التعبير فيه بصيغة الحال ، تقول: زيد يصلى ، وأنت تريد أنه في الصلاة ، ومضى بضعها ، ويجوز أن يكون ما مفعولا لمحذوف ، أي ويبين لكم ما يتلى عليكم في الكتاب ، ويجوز أن يكون الواو للقسم ، ولا يصح أن يكون عاطفة على الهاء ، لأن الهاء ضمير متصل مجرور ، ولم يعد الخافض ، ولأن الافتاء في شأنهن فيفضى العطف على من أن يكون الافتاء في شأن ما يتلى لا في نفس ما يتلى .