{وقَدْ مَكر الَّذين مِنْ قَبْلهم} قبل مشركي مكة من الأمم الماضية ، أوصلوا المكروه بأنبيائهم والمؤمنين ، كما فعل نمرود بإبراهيم ، وفرعون بموسى ، واليهود بعيسى {فللَّهِ المكْرُ جَميعًا} على الحقيقة ليس منه شيء بيد غيره ، فليس مكر غيره بضار إلا بإرادته ، واإن لم يرد فليس بضار ، كما لم يضر إبراهيم وموسى وعيسى مكر نمرود وفرعون واليهود ، فليس مكر غيره مما يكترث به العقلاء ، فكل مكر تأثر بيد مخلوق فبإذن الله تعالى ، فلتأثره بإذنه وخلقه إياه نسب إليه ، أو مكر الله جزاؤه ، سمى للمناسبة فيكون ذلك تسمية للعقوبة باسم الذنب ، فإن المكر ذنب ، وتضمنت الآية تهديد الكفار بمكر الله ، وأن مكرهم برسول الله A ضائع لا يؤثر فيه ، وراجع وباله عليهم ، وإن مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره ، وفسر مكر الله D بقوله:
{يعْلَم ما تَكسِبُ كلُّ نفْسٍ} فيعد جزاءها ، فإنه لا مكر أعظم من مكر من يعلم ما تكس كل نفس ، ويعد لها جزاءها فيجازيها وقت غفلتها في الدنيا ، ويجازيها أيضا في الآخرة ، والحال أنها لا تعلم اليوم بعذاب الآخرة ، لعدم إيمانها ، بل تعلم بعدمه كما قال:
{وسَيَعْلم الكفَّار} جنس الكفار ، كما تدل عليه قراءة الكوفيين: وابن عامر: وسيعلم الكفار ، وقراءة بعضهم: وسيعلم الكفار ، وبعضهم: وسيعلم الذين كفروا .
وقيل: المراد في قراءة الأفرا ، وقراءة الجمع الخمسة المستهزئون ، وعن ابن عباس: الكافر أبو جهل ، ومعلوم أن غيره مثله ، وقرأ بعضهم: وسيعلم الكفر بإسكان الفاء مبالغة ، أو بتقدير مضاف ، أي ذو الكفر ، أو ذوو الكفر ، أو بالتأويل بالوصف ، أي كافرا ، والكفار ، وقرأ جناح بن جيش: وسيعلم الكافر بضم الياء وفتح اللام من أعلمه إذا أخبره بشيء وصيره عالما {لمنْ عُقْبى الدَّار} ألهم أم للنبي A وأصحابه ، والتعريف في عقبى الدار بإضافة عقبى إلى المعرف بأل التعريف عهد ، فالمراد الجنة كما هي المراد في فنعم عقبى الدار .