{إِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} : هذا شروع في ذكر ضد المتقين الذين تأثروا بهداية القرآن والكفرة لا يتأثرون بها، ولم تعطف قصتهم على قصة المتقين، لأن قصة المتقين إنما سقاها الله - جل وعلا - لذكر الكتاب وبيان شأنه، لأنه حق وهدى لهم وتفخيم شأنه في الانتفاع به. وقصة الكفرة ساقها الله - D - لشرع تمردهم وانهماكهم في الضلال. وأما وصفهم بأن وجود الكتاب وعدمه سواء عليهم، فليس كون الكتاب كذلك غرضًا مسوقًا له الكلام، بل تفخيم شأنه، وفائد أن تأكيد نسبة نسبة الخبر إلى المبتدأ سواء كانت إيجابية أو سلبية، سواء كانت في جواب منكر، ظان أو شاك أو خالى الذهن أو موقن، بحسب غرض المتكلم في إخباره من مبالغة أو عدمها. هذا ما ظهر لي لا ما اشتهر في كتب المعاني من أن الإتيان بها في إخبارك من أن أيقن لا يجوز أو يخل بالبلاغة، والتعريف الحاصل في الموصول للعهد الذكى والحضورى أو الذهني، والمراد ناس بأعيانهم كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأحبار اليهود، فإنه قد وقع لهم ذكر فيما نزل من الآيات قبل هذه، وصح لهم حضور محسوس للجدال وغيره، وثبوت في ذهنه - A - مهما بطريق إرشادهم وقلقًا بما قالوا. وعن ابن عباس: نزلت في حيي بن أخطب وكعب ابن الأشرف ونظائرهما من اليهود. وقيل في مشركي العرب كأبي جهل. وإما للجنس متناولا من أصر على الكفر كما قال سواء إلى. . . إلخ. ومن لم يصر وهو من استثناء بقوله: إلا الذين تابوا ونحوه، من آيات استثناء والتائبين ولا تتناول من سيأتي بعده - A - ومن تقدمه. وقيل تتناول من يأتي، لأن إنذار القرآن بعده إنذار منه. وقيل تتناول من سبق أيضًا، على معنى أنك لو أنذرتهم لم يتأثروا به. والكفر لغة ستر النعمة. وأصله الكفرة (بفتح) وهو الستر. ومنه قيل للزارع كافر، لأنه يستر البذر، وكذا الليل لأنه ساتر بظلمته، وكذا البحر لأنه يستر ما فيه وما وقع فيه، وللطلع لأنه يستر الثمار. فهو في أصل اللغة مطلق الستر. ثم اختص في عرف أُهلها بستر النعمة وهو عدم شكرها. وأما في الشرع فله معنى عام وهو ستر النعمة، الذي هو عدم شكرها، فإن فعل كبيرة كالنفاق أو الشرك خرج عن شكر النعمة. فإن شكرها هو عدم فعل ذلك والتحرز عنه، ومعنيان خاصان أحدهما يسمى نفاقًا عندنا، وهو فعل الكبيرة التي دون الشرك، والآخرة كفر شرك سواء أظهر أو لم يظهر. وهما فعل كبيرة الشرك، وهما المراد في الآية. ويخص أصحابنا ما لم يظهر منه باسم آخر هو لفظ النفاق أيضًا، وحد كفر الشرك بنوعيه بأنه إنكار ما علم بالضرورة مجئ الرسل به وخرج بلفظ الإنكار الفعل فإنه ليس شركًا فليس كهيئة المشرك، وإنما حرم لأنه يوهم أنه مشرك فيحكم من لم يعلمه مسلمًا أنه مشرك، ويظن من علمه بالتوحيد لأنه مرتد، ولا من التحرز عن هيئتهم من تمام بغضهم، فلو لبس الإنسان الزنار لدى على أنه نصرانى، أو مرتد إلى النصارنية ومن صدق رسول الله - A - لا يتجرزئ على لبسهم ظاهرًا والزنار (بضم الزاء) خيط غليظ فيه ألوان يشد في الوسط فوق الثبات.