{ومِنْ حَيْث خَرجْت فَولِّ وجْهَك شَطْر المَسْجِد الحَرَام وحَيْث ما كُنْتُم فَولُّوا وجوهَكُم شَطْره} : ذكر الأمة بتولية الوجه شطر المسجد الحرام أربع مرات تأكيدًا لعظم شأن القبلة ، ولأن النسخ من مظان الفتن والشبهة ، ولا سيما أنه أول نسخ ظاهر بعد العمل به بين المؤمنين والكفار ، فكان حقيقا بالتكرير ، وأيضًا ذكره في قوله: {فَلَنُولِّينك قِبلَةً تَرْضَاها فولِّ وجْهَك شَطْر المسْجِد الحَرَام} مقرونًا بعلته وهي تعظيمه الرسول ، A ، بابتغاء مرضاته ، ومقرونا مع قوله: {وحيث ما كنتم . . إلخ} بفائدة هي أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر محمد وأمر القبلة حق في التوراة والإنجيل ، وذكره في قوله: {وحَيثُ ما كُنتم فَولُّوا وجُوهَكُم شَطْره} تصريحًا بأن حكم أمته حكمه ، ولينبه بعده أن لكل أمة قبلة تبعا لداعيها ، وهو نبينا بقوله: {ولكل وجهة} وذكره في قوله: {ومنْ حَيْث خَرَجْتَ فَولِّ وجْهك شَطر المسجد الحَرَام} لينبه على تساوى السفر وغيره في أمر القبلة بحسب الإمكان ، وليقرنه بشهادة الله أنه حق ، وشهادته مغايرة لشهادة أهل الكتاب ، وذكره في قوله: {ومِنْ حَيْث خَرَجْت فَولِّ وجْهَك شَطْر المسْجِد الحَرَام وحَيْث ما كُنْتُم فَوَلُّوا وجُوهَكم شَطْره} ، لينبه على أن حكم أمته في السفر حكمه كالحضر ، وأن المراد وحيث ما كنتم من السفر وغيره من الخروج ، وليقرنه بدفع حجج الكفار بقوله:
{لئِلاَّ يَكُونَ للناس} : اليهود والنصارى والمنافقين ، أو جميعهم مع مشركي العرب ، أو قريش واليهود ، وقال الحسن مشركي العرب ، وقال مجاهد مشركي قريش .
{عَلَيْكم} : أيها المؤمنون .
{حجة} : فقرن كل مرة بعلتها كقرن المدلول بكل واحد من دلائله ، للتأكد كما هو شأن ما أريد تقريره وتقريبه للأفهام والقبول ، وزعم بعضهم أن قوله: {فَولِّ وجْهَك شَطْر المسْجِد الحَرَام وحَيْث ما كُنْتم فَولُّوا وجُوهَكُم شَطرَه} إشارة إلى حال كون الإنسان في المسجد الحرام ، وقوله: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرَام} إشارة إلى حال كون الإنسان في البلد ، وقوله: {ومِنْ حَيثُ خرجت فَولِّ وجهَك شَطْر المسْجِد الحَرام وحَيْث ما كُنْتم فَولُّوا وجُوهكم شَطْره} ، إشارة إلى حال كون الإنسان خارجًا عن البلد ، والحجة المنفية في قولهِ: {لئلاَّ يَكونَ للنَّاس عَليْكم حُجةٌ} يقول: إن اليهود والمنافقين تبع لهم ، والنصارى المنعوت في التوراة والإنجيل قبلته الكعبة ، فلو لم يستقبلها لقالوا ليس المذكور في التوراة والإنجيل ، لأن المذكور فيهما يستقبلها بعد أن يستقبل بيت المقدس ، وأن يقول اليهود إن محمدًا يجحد ديننا ويتبع قبلتنا ، فيأمر باستقبال الكعبة لئلا يقولوا ذلك ، وأن يقول المشركون من العرب إنه لو كان نبيا لم يخالف قبلة أبيه إبراهيم ، وهي قبلة العرب قبلة حق .
{إلاَّ الَّذينَ ظَلمُوا مِنْهم} : استثناء من الناس ، أي إلا الذين ازداد ظلمهم للمبالغة في العناد ، لأن الناس المذكورين ظالمون ، فإن الذين ازداد ظلمهم لا تنتفى الحجة عليهم بذلك بالنظر إلى عنادهم ، فيقول اليهود والنصارى والمنافقون: انصرف عن بيت المقدس إلى الكعبة برأيه ، واشتياقًا لبلده ، وسيرجع إلى دين آبائه ، وتقول قريش ، انصرف لقبلة بلده اشتياقًا لبلده ، وعلما بأن ديننا حق فسيرجع إليه كما رجع لقبلتنا ، فهذه حجة هؤلاء المستثنين ، وسماها حجة من حيث إن المراد لا الذين ظلموا فلهم حجة ، لأنهم يسوقونها مساق الحجة كقوله: