{الآنَ خَفَّفَ اللهُ عنْكُم} بإزالة تلك المشقة التي هي ثبات الواحد للعشرة {وعَلم أنَّ فيكُم ضَعفًا} أي ظهر في الخارج أن فيكم ضعفا ، فعبر عن الظهور في الخارج بالعلم ، لأنه لازم للظهور ومعيب له في الجملة ، وإلا فالله عالم بالأشياء في الأزل ، قبل أن تكون ، أو الواو للحال ، أي وقد علم أن فيكم ضعفا ، فالعلم على بابه ، والضعف ضعف البدن ، وقيل: ضعف البصيرة لا ضعف قلة ، لأنه إنما خفف عنهم حين شق عليهم مقاومة الواحد العشرة وهم كثير حين التخفيف لا قليل ، وكان بعضهم أضعف من بعض في البدن ، وبعض أضعف من بعض في البصيرة ، وبعض أضعف فيهما .
ولو قيل: المراد بالضعف ضعف البدن والبصيرة لجاز ، وقرأ عاصم ، وحمزة ، وشيبة ، وطلحة بفتح الضاد ، وهما لغتان ، والضم لغة الحجاز ، والفتح لغة تميم ، وكذلك اختلاف القراء في الروم ، وقرأ عيسى بن عمرو ضعفا بضم الضاد والعين ، والمعنى واحدا وثلاثة مصادر ، وقيل: الضم في الجسم ، والفتح في الرأى والعقل ، وعليه فيختلف معنى القراءات ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: ضعفاء بضم الضاد وبفتح العين و الفاء مع المد جمع ضعيف ، وحكاها النقاش عن ابن عباس وبين التخفيف بقوله:
وإنْ تكُنْ مِنْكُم مائةٌ صابرةٌ بالفوقية عند نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وإنما قرأ أبو عمرو ، وعاصم هنا تكن بفقية ، ويكن هناك بالتحتية نظرا إلى التأنيث في صابرة ، والتذكير في يغلبوا ، ولم يعتبر يغلبوا هنا لتأخره عن صابرة ، وقرأ الباقون بالتحتية ، وقرأ الأعرج بالفوقية في المواضع الثلاثة ، ولم يقرأ بها أحد في {وإن يكن منكم ألف} {يغلبوا مائتَيْن} منهم وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين منهم {بإذْنِ اللهِ واللهُ معَ الصَّابرينَ} بالنصر و العون ، والإشارة بذلك كإلى أن الواحد يثبت للاثنين ، ولا يحب عليه أن يثبت لثلاثة ، وإنما مثل هنالك بمثالين ، وهنا بمثالين ، مع أنه يكفى المثال الواحد هنالك ، والواحد هنا ، للدلالة على أن القليل والكثير واحد .
قال ابن جريج: كان عليهم أن يثبت الواحد للعشرة ، وكان رسول الله A بعث حمزة في ثلاثين راكبا ، فلقوا أبا جهل في ثلاثمائة راكب ، فثقل ذلك عليهم وضجوا منه ، ثم نسخ بمقاومة الاثنين بالواحد فقوله: {إن يكن منكم عشرون} إلى آخر منسوخ لقوله: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} الخ ، ولا يشكل عليه أن الإخبار لا ينسخ لما مر أن قوله: {إن يكن منكم عشرون} الخ في معنى الأمر ، وكذا {فإن تكن منكم مائة صابرة} الخ وكذا قال الحسن بالنسخ ، وذكر أنه ما مات رسول الله A حتى ظهر الإسلام وصار الجهاد تطوعا .
وكذا قال ابن عباس بالنسخ ، قال: لما نزل