فهرس الكتاب

الصفحة 664 من 7694

{لَيسَ البِرَّ أن تُولُّوا وجُوهَكُم قِبَلَ المشْرِقِ والمغْرِب} : إلى أن قال: {والكِتابِ والنَّبِيين} إلى آخره: فصوب المؤمنين في الصلاة إلى الكعبة ، فإن الكتاب هو القرآن أو الجنس ، فمن آمن بالقرآن أو بالكتب كلها صلى إلى الكعبة ، فإن الكتاب هو القرآن أو الجنس ، فمن آمن بالقرآن أو بالكتب كلها صلى إلى الكعبة ، لأن غيرها منسوخ بها في القرآن ، ومن آمن بالنبيين كلهم صلى إليها ، لأن سيدنا محمدًا ، A ، أمر بالصلاة إليها . وقال ابن عباس رضى الله عنهما: كان الرجل في ابتداء الإسلام إذا أتى بالشهادتين وصلى إلى أي جهة ثم مات على ذلك وجبت له الجنة ، فلما هاجر رسول الله ، A ، ونزلت الفرائض ، وصرفت القبلة إلى الكعبة ، نزلت الآية . وفي قوله أيضًا الرد على اليهود والنصارى ، بأن استقبالهم للصخرة والمشرق منسوخ ليس برًّا ، وإنما البر في استقبال الكعبة ، وهو الذي بينه الله واتبعه المؤمنون ، وذلك أنه لما نزل أمر الكعبة أكثر فيه اليهود والنصارى الخوض ، وقيل الخطاب لليهود والنصارى والمؤمنين ، أي ليس البر في أمر الاستقبال فقط ، ويحتمل أن يراد البر العظيم الأعظم الذي يحسن أن تذهلوا بشأنه من غيره ، هو أمر القبلة ، فإن الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين أهم منه ، وقيل عن ابن عباس: إن الخطاب للمؤمنين ، وإن المراد بتولية الوجوه قبل المشرق والمغرب نفس الصلاة لا نفس الاستقبال ، وقيل المعنى: ليس البر أن تكونوا نصارى فتصلوا إلى المشرق ، ولا يهودا فتصلوا إلى المغرب . وقال مجاهد: إن أبا ذر سأل رسول الله A عن البر فنزلت الآية ، فدعاه فتلاها عليه ، ثم سأله فأعادها ، ثم سأله فأعادها ، فقال: إذا علمت حسنة أحبها قلبك ، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك ، وقرأ ابن مسعود: بأن تولوا بزيادة الباء في خبر ليس للتأكيد ، وقرأ حمزة وحفص بنصب البر على أنه خبر ليس مقدم على اسمها ، وفي قراءتهما رد على ابن درستويه ، إذ منع توسيط خبر ليس ، قال ابن هشام: وتوسيط أخبار كان وأخواتها جائز خلافا لابن درستويه في ليس ، قرأ حمزة وحفص {ليس البرَّ أن تولوا وجوهكم} بنصب البر انتهى بتصرف .

وإن قلت: أي القراءتين قوى؟ قلت: يدل كلام ابن هشام أن قراءتهما أقوى ، لأن في رفع البر الإخبار بما هو بمنزلة الضمير عما دونه في التعريف . قال: واعلم أنهم حكموا لأن وأن المقدرتين بمصدر معرف بحكم الضمير ، ولذا قرأ السبعة: {وما كان حجتهم إلا أن قالوا} بالنصب والرفع ضعيف انتهى .

{ولكنَّ البرَّ مَنْ آمنَ باللهِ} : بتخفيف نون لكن ، وكسرها لالتقاء الساكنين ، أي لكن البر من آمن بالله لاستقبال ما نسخ استقباله ، أو لكن البر الأعظم من آمن بالله ، والبر معنى لا ذات ، فإن البر هو الفعل المرضى سواء كان طاعة الله لا إحسان في ظاهرها إلى الخلق ، ولو كان فيها فصر عليهم كالجلد والرجم والقطع والحدود ، أو طاعة له فيها إحسان للخلق كإنفاق المال لوجه الله ، ويطلق في اللغة أيضا على الإحسان للخلق ولو بلا نية تقرب إلى الله ، وليس هذا مرادا هنا فيقدر مضاف ليكون الإخبار بذات عن ذات ، أو بمعنى عن معنى ، تقديره لكن ذو البر من آمن ، ويدل لهذا التقدير قراءة بعضهم ، ولكن الكبار من آمن بالله بالألف بعد الباء ، والحذف على هذا كان أولا وفيه إخبار عن ذات بذات ، أو تقديره ولكن البر من آمن بالله ، وهذا في إخبار بمعنى عن معنى ، والحذف كان آخرن وهذا أولى لأنه وارد عن قوله: {لَيس البرَّ أنْ تُولّوا وُجُوهَكم} إلخ الذي هو نفى كون البر تولية الوجه ، فليكن هذا الوارد المستدرك عليه الذي هو قوله: {ولكنَّ البرَّ من آمَن بالله} : من جنس ذلك المنفى ، ولو قال ليس البار من يولى وجهه قبل المشرق والمغرب لكان تقدير ولكن ذو البر من آمن بالله أولى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت