{مَا قُلتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِى بِهِ} : قيل تصريح بنفى المستفهم عنه بعد تقديم ما يدل عليه ، وقيل: إن دلالة الحصر على ما احترز عنه بالحصر مفهوم لا منطوق ، فكون عيسى لم يقل لهم ما لم يأمره به مفهوم ، لقوله: {مَا قُلتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِى بِهِ} أو منطوق له قولان محلهما علم البيان والأصول .
{أَنِ أعْبُدُوا اللهَ رَبَّى وَرَبَّكُمْ} : المصدرية داخلة على فعل أمر ، والمصدر مما بعدها عطف بيان على هاء به بناء على جواز عطف البيان على الضمير ، ومنعه ابن مالك وابن السيد ، لأنه في الجوامد كالنعت في المشتقات ، والضمير لا نيعت ، فكذا لا يعطف عليه عطف بيان ، أو بدل منها مطلق ، ولو كان لايصح اسقاط المبدل منه لخلو الموصول عن الرابط ، وليس كل مبدل من يصح اسقاطه ، بل تارة وانما المعتمد أن المراد بالذات البدل ، ولو قلت في: نفعنى زيد علمه نفعنى علمه لبقى الهاء بلا مرجع ، أو خبر لمحذوف أي هو أن اعبدوا الله بناء على جواز الاخبار بالطلب ، أو مفعول لمحذوف ، أي أعنى أن أعبدوا الله ، ولا يجوز أن يكون بدلا من ما الموصولة ، أو عطف بيان عليها ، لأنها مفعول للقول والمصدر مفرد ليس في معنى الجملة ، والقول لا ينصب المفرد الا إن كان من معنى الجملة أو الجمل ، كقلت كلامًا ، وقلت قصيدة الا أن يقال اغتفر هنا في الثاني ما لم يغتفر في الأول .
أو يقال لما كان اللفظ قبل التأويل بالمصدر جملةن صح أن ينصب المصدر غير الصريح ، أو يضمن قلت معنى ذكرت ، وأما ما فهي في معنى الجملة ، لأن الله جل أمره بقوله: {أعبدونى} فالله قال: {أعبدونى} وعيسى قال: يقول لكم الله اعبدونى ، ولا يجوز أن تكون إن مفسرة ، لأنها تكون مفسرة بجملة فيها معنى القول دون حروفه ، ولأن الله تعالى لا يقول: اعبدوا ربي ، اللهم الا أن يقال القول بمعنى الأمر ، واللام تأكيد مع مناسبة لفظ القول لها ، ويقدر معنى الياء فيما أمرتنى أي ما أمرتهم الا بما أمرتنى به ، فيبقى أن الله جل جلاله لا يقول: اعبدوا ربي وربكم ، فيجاب بما مر آنفًا أنه لا يلزم صلاحه وقوع البدل في موضع المبدل منه ، فلا يضر أنه لايصح أن يقول الله اعبدوا ربي وربكم .
وأيضا يعتبر لفظ عيسى لهم أي الا ما أمرتنى أن أقوله ، وهو أن أقول لهم: {أعْبُدُوا اللهَ رَبَّى وَرَبَّكُمْ} ومعنى اعبدوا الله بى وربكم اعبدوا وحده ، وفهم ذلك من وصفه بأنه ربهم فلا يسوغ أن يعبدوا غير من هو الرب وD .
{وَكُنتُ عَلَيْهِم شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهمْ} : رقيبًا عليهم نهاهم عن الاشراك ، وأمرهم بالتوحيد والعبادة ، وترك المعصية فلا أقول لهم اتخذونى وأمى الهين من دون الله ، أو مشاهدًا لأحوالهم من كفر وايمان .