{وَلَقدْ آتَيْنَا مُوسى الْكِتابَ} : التوراة نزلت عليه بمرة ، واللام في قوله ( لقد ) لام ابتداء عند بعض ، ولام جواب قسم محذوف عند بعض ، ورجحه كثير ومعناه التوكيد على القولين ، قال السهولى: موسى مفعول ثاني والكتاب مفعول أول ، ووجهه عندي أن ههمزة آتينا للتعدية ، صيرت الفاعل مفعولا وهي مزيدة على أتى الثلاثى للتعدية والمفعول الذي أصله فاعل هو الذي يسمى مفعولا أولا ، والمعنى ولقد جعلنا الكتاب آتيًا موسى بالغًا إليه ، وقال غيره: موسى مفعول أول والكتاب مفعول ثان ، ووجهه عندي أنه ضمن آتينا معنى أعطينا ، فكان موسى آخذًا فهو الفاعل في المعنى فهو المفعول الأول .
{وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} : تشديد قفينا للتأكيد والياء للتعدية قائمة مقام الهمزة التي للتعدية ، ويجوز كون التشديد للتعدية لا للتأكيد ، والرسل مفعول به والياء زائدة فيه ، والمعنى اتبعنا الرسل بعضها بعضًا أي صيرنا بعضها يتبع بعضًا . قفى زيد عمرًا أي جعله قافيًا إياه ، أي تابعًا له وذلك من القفا ويقال أيضًا: قفيت فلانًا فلانًا إذا جئت به من جهة قفاه ، وقفوته بالتخفيف تبعته ، وقفوته ببكر أي تبعته به ، ويقال ذنبته بالتشديد أي صيرته ذنبًا ، والمعنى اتبعنا الرسل الكثيرة بعد موسى خلف بعض ، وهم: يوشع وإسمؤيل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم ، كما ذكره الزمخشرى ، وكلهم يحكمون بالتوراة حتى بعث الله عيسى بن مريم وأنزل عليه الإنجيل وخالف بعض الإنجيل بعض التوراة ، فقال بعضهم: الإنجيل هو المراد بالآيات البينات في قوله D:
{وآتَيْنَا عيسَى بنَ مَرْيَم الْبَيِّنَاتِ} : أي الآيات الواضحات الدالة على الأحكام الشرعية ، وهي الآيات التي تتلى في الإنجيل ، وقال الكلبى: البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، والإخبار بالغيب بإذن الله ، وقيل: الحجج التي يحتج بها في كلامه ، ويجوز أن يراد ذلك كله ، وعيسى بالسريانية وهي العبرية يشوع بالشين المعجمة ، ويقال أيضًا بالمهملة ومريم علم لأمه رضى الله عنها ، وأصل هذا اللفظ بالعبرية صفة بمعنى الخادم ، سميت به وتلقيت عليه الاسمية ، وقيل المريم في لسان العرب موجود بمعنى المرأة التي تحدث الرجال وتميل إليهم ، كالزئر بكسر الزاء بعده همزة وهو الرجل الذي يحب محادثة النساء ومجالستهن ، قال رؤية يمدح السفاح أو المنصور:
قلت لزير لم تصله مريم ... قليل أهوى الصبى تندسى
وهذه في لغة العرب ، وليست هذه الصفة في مريم إلا أن أحبت محادثة الأنبياء والعلماء ، ووزن مريم بالمعنى العربي ، مفعل فميم زائدة والياء أصل من رامه يرميه إذا فارقه أو لازمه يستعمل بالمعنيين ، وليس وزنه فعيل بأصالة الميم وزيادة الياءَ لأن هذا غير موجود في الأبنية ، بل الموجودة فعيل بضم الفاءِ كعليب وفعيل بكسرها كعثير .