{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} القسط: مصدر نعت به مبالغة ولذا أفرد كأنها لشدة قسطها نفس القسط ، أي العدل ، أو يقدر مضاف ، أي ذوات القسط ، أو يؤول بقاسطة ، بمعنى عادلة .
والحق عندنا - معشر الأباضية - أن وضع الموازين كناية من إثبات الحساب في المكلفين ، وجزائهم على أعمالهم ، أي ببالغ والحساب مبالغة شديدة كما قال:
{فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} أي ظلمًا ، أو مفعول ثان لتظلم ، بمعنى تُنقَّص ، أو تمييز محول عن النائب على هذا المعنى ، أي لا يُنقص شئٌ نَفْس ، أي عملها ، أي لا يُنقص من حسناتها ، ولا من سيئاتها ، واللام ظرفية ، أي في يوم القيامة قاله أبو حيان وابن هشام وعن بعض بأنها بمعنى عند .
وقيل: للتعليل ، على حذف مضاف ، أي لأجل يوم القيامة .
وقال الشنوانى: أو الجزاء يوم القيامة .
{وَإِنْ كَانَ} تامة بمعنى حصل {مِثَالَ} زنة {حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ} ما يرى في الشمس من الهباء ، أو بذر اللفت ونحوه .
وقرأ غير نافع بنصب مثقل على نقصان كان ، واسمها ضمير الفعل ، قبل: أو في غير الظلم ، وهو ضعيف ، إن لم يكن باطلا .
{أَتَيْنَا بِهَا} الباء للتعدية ، أي أحضرناها ، وضمير المؤنث للمثقل ، وإنما أنث لتأويله بالزنة ، أو لإصابته للمؤنث ، مع صحة الاستغناء عنه ، فإنه لو قيل: وإن كانت حبة من خردل ، لظهر المراد .
وقرأ ابن عباس ومجاهد آتينا بالمد ، أي أعطينا صاحبها ثوابها أو عقابها وعُدِّىَ بالياء ، لتضمنه معنى المجازاة ، أو هو بمعنى المؤاتاة ، فإنهم أتوا بالعمل ، وأتاهم بالجزاء .
وقرأ حميد أَثَبْنَا بِهَا ، من الثواب . وقرأ أُبىّ فجئنا بها .
{وَكَفَى بِنَا} الباء صلة ، ون فاعل به .
{حَاسِبِينَ} حال لا تمييز ، لضعف كون التمييز وصفًا . والمعنى: إن حسابنا كان فوق كل حساب؛ لكمال علمنا وحفظنا . وفي ذلك توغيب في الحسنات وعُد عن السيئات قال A: لا تغتروا بالله ، فإنه لو كان مُغْفِلًا شيئًا لأغفل الذرة والبعوضة والخردلة .
فصل
مذهبنا - معشر الأباضية - كما مر - أن الميزان عبارة عن إثبات الحساب والجزاء ، وإظهار أن فعلك أيها المكلف كذا وكذا ، قد أوجب لك من الخير أو الشر كذا وكذا أصح . وإن شرَّك مغفور ، وخيرك مقبول .
وإن خيرك غير مقبول ، وشرك مؤاخذ به ، وذلك مذهب أكثر المعتزلة .
وقالت الأشعرية وغيرهم: إن الميزان عمود وكفتين ولسان ، وإن طول الدنيا وسعة كفتيه سعة السموات والأرض .
وروى أن داود - عليه السلام - سأل ربه أن يريه الميزان ، فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب . فلما رآه غُشى عليه ، ثم أفاق وقال: إلهى من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟
قال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدى ملأتها بتمرة .