{أَيُّهَا النَّاسُ} : خطاب لأهل مكة ، ويشتمل غيرهم بالمعنى ، أو هو خطاب للناس مطلقًا ، كقوله تعالى: {يا بنى آدم} ، دخل فيه أهل مكة ، وهذا الوجه أولى لعمومه لفظًا ومعنى ، والخصوص يحتاج لدليل ويناسب العموم فضل مناسبة ، قوله تعالى:
{اتَّقُواْ رَبَّكُمُ} : إن تخَالِفُوا أمْرَه أو نهْيَهُ .
{الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} : هي آدم ، والمراد بالنفس الشخص ، والتأنيث باعتبار لفظ النفس ، ولا يدخل في الخطاب من مات قبل نزول الآية لأن الميت لا تكليف عليه ولا أمنًا حوى لذلك لقوله
{وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} : حواء ، وكانت كغيرها في الخلق منه ، إلا إن الخلق منه ثلاثة: خلق من لحمه ودمه وعظمه ، وهو خلق حواء عليها السلام ، إذ خلقت من ضلعه القصير الأيسر ، وخلق من نطفته ، وهو خلق آدم أولاده ، من صلبه ، وخلق بالتفرع من فروعه ، وهو خلق سائر الناس ، وأيضًا لم يدخل حواء في الخطاب ، لأنه يلزم أن يكون آدم خلق من نفس ، ويكون خلق الزوج وبث الرجاء والنساء داخلين في قوله {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} فيكون ذكرهما بعده تكرارًا ، وما ذكرت من كونهما مخلوقة من الضلع هو الصحيح المشهور ، وورد به الحديث الصحيح بروايات منها ما لفظه هكذا « إن المرأة خلقت من ضلع ، فإن ذهبت مقيمها كسرتها ، وإن تركتها وبها عوج استمتع بها » . وعن ابن عباس: خلق الله آدم وحشا في الجنة وحده ، ثم نام فانتزع الله إحدى أضلاعه القصيرة من شماله . وقيل: من يمينه خلقت منه في نومه . قال ابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهما: في الجنة . وقال ابن إسحاق ووهب وكعب الأحبار: في الدنيا قبل أن يحمل إلى الجنة فلما استيقظ وجدها بجانبه ، قال: من أنت؟ قالت المرأة: خلقنى الله لتأنس إلى ، فأنس بها لأنها منه . وعن مجاهد: لما استيقظ وجدها بجنبه ، فقال: افى افى؟ ، وأفى بالعبرانية: المرأة . وزعم بعض: أنها لم تخلق من جسم آدم ، وإنما خلقت من طينة فصلت من طينته على أن يقدر مضاف في قوله: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي وخلق من جنسها زوجها ، وبه قال ابو مسلم الخولانى وجعله كقوله تعالى: {والله خلق لكم من أنفسكم أزواجا} أي من جنس أنفسكم ، وقوله تعالى: {إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} وقوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} ولا دليل ولا دليل على هذا القول ، بل يرده الحديث ، وقوله تعالى: {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَة} إذا لو خلقت حواء من غير آدم لكنا مخلوقين من نفسينن وكون من الابتداء لا يصح جوابًا ، لأن ابتدائنا على ذلك القول يكون من نفسين لا من نفس واحدة ، وجملة {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} معطوفة على {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَة} أو على نعت محذوف ، أي: من نفس واحدة خلقها وخلق منها زوجها ، مجملة {خلقها} نعت ل {نفس} ويجوز كونها حالا لها .