{وقَاتِلوُا في سَبيلِ اللهِ} : أي قاتلوا في شأن الله ، أو قاتلوا لأجل دين الله ، سماه سبيلا لأنه طريق إلى رضاه وجنته ، والقتال في سبي الله إن يجاهدوا لإعلاء دينه وكلمته وإعزازها ، وامتثالا واحتسابًا لرضاه ، روى البخارى ومسلم عن أبي موسى الأشعرى: سئل رسول الله - صلى الله عليهِ وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياءً ، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله A: « من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله » ، أي لا لمجرد دعاء الشجاعة إلى القتال ولا للحمية الدنيوية ولا للرياء ، وهذه أول آية نزلت في الأمر بالقتال .
{الَّذينَ يُقَاتِلونَكُم} : من المشركين ، ولا تقاتلوا من لم يقاتلكم منهم ، وهذا قبل أن يؤمروا بقتال المشركين كافة ، فكانوا لا يقاتلون إلا من قاتلهم . قال الربيع بن أنس: لما هاجر رسول الله A إلى المدينة أمر بقتال من قاتله من المشركين ، وكانت هذه أول آية نزلت في القتال . وقيل أول ما نزل فيه قوله تعالى: {أذِنَ لِلذينَ يُقَاتلونَ} ثم أمر بقتال المشركين كافة ، قاتلوا أم لم يقاتلوا بقوله تعالى: {وقَاتلُوا المشْركِينَ كَافْة كما يُقاتِلونُكم كافة} ، وبقوله: {اقْتُلوُهُمْ حيث ثقفْتموهُمْ} {واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} فهذه الآية منسوخة بقوله: {قَاتِلوا المشركين كافة} ، وقوله: {اقتلُوهم حيث ثقفتموهم} {واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} هذا قول ابن زيد والربيع بن أنس .
{ولا تَعْتدُوا} : أي لا تجاوزوا الحد بقتال من لم يقاتلكم ، ولا بقتال المعاهدين ولا بنقض العهد ولا بمثلة ، فيمن قاتلكم ولا بقتال بلا دعوة إلى دين الإسلام ، فالدعوة باقية إلى يوم القيامة ، ولا بقتل الصبيان والشيوه الذين لا يرجع إليهم أمر القتال والمشاورة ، ولا يقاتلون . ولا بقتل المرأة إلا إن قاتلت ، وكذا العبد ، ولا بقتل الرهبان والزمنى والأعمى والمجنون ، ولا من ألقى إليكم السلم . روى مسلم عن بريدة: كان رسول الله A إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه على خاصته بتقوى الله ومن معه من المسليمن خيرًا ، ثم قال: « اغزوا بالله في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا تعتدوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا » والغلول والإخفاء من الغنمة ، وقيل إن الآية لا نسخ فيها ، بل المعنى قاتلوا الذين تأهلوا للقتال دون من عاهد ودون الصبيان ومن ذكر بعدهم ، ولا تعتدوا بمثله ، أو قتال بلا دعوة . وقال ابن عباس: قاتلوا من تأهل للقتال ولا تعتدوا بقتال من لم يتأهل كالنساء والصبيان والشيوخ ، ومن ألقى إليكم السلم . وروى عنه رضى الله عنه أنه لما صدذ المشركون رسول الله A . وروى عنه رضى الله عنه أنه لما صدّ المشركون رسول الله A عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل ، فيخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف بالبيت ، فلما تجهز رسول الله A وأصحابه لعمرة الضاء خافوا ألا تفئ قريش بما قالوا ويصدوهم عن البيت ، وكرهوا أن يقاتلوهم في الإحرام والشهر الحرام فأنزل الله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} يقول يقاتلونكم في الشهر الحرام والحرام والإحرام ولا تعتداو بقول ولا تبدأوا بالقتال ، وهذا يؤيد القول بأن الآية نزلت قبل أن يؤمروا بقتال المشركين كافة .