{ولقد كُذِّبتْ رسلٌ من قَبْلك} كثيرة عظام ، ومن قبلك نعت رسل ، أو متعلق بكذب ، هذا تسلية لرسول الله A عن تكذيب قومه له ، وهذا مما يدل على التفسير الأخير في قوله: {فإنهم لا يكذبونك} وهو أن المعنى أنهم لا يصيرونك كاذبًا بجحودهم ، سواء جحدوا بألسنتهم فقط أو بها وبقلوبهم ، لأن الرسل قبله كذبتم أممهم بألسنتهم قلوبهم ، أو بعض كذلك وبعض بألسنتهم .
{فَصبرُوا على ما كُذِّبُوا وأوذُوا} عطف على كذبوا ، وما مصدرية ، أي فصبروا على تكذيبهم وإذائهم ، ويجوز عطفه على كذبت رسل ، أي كذبت رسل من قبلك وأوذوا ، وإذا عطف على واحد قدر مثله للآخر ، وكأنه قيل: ولقد كذبت رسل من قبلك وأوذوا ، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا ، وذلك أنه لا يحسن أن يقال: ولقد كذبت رسل من قبلك وأوذوا فصبروا على التكذيب فقط دون الإيذاء ، ولا أنهم كذبوا فقط صبروا على ما كذبوا وأوذوا معًا .
{حتَّى أتاهُم نصْرنَا} حتى ابتدائية ، ولا تخلوا عن معنى الغاية لأنها كفاء السببية ، وهي للربط والاتصال ، فاصبر على التكذيب والإيذاء كما صبرت الرسل من قبلك ، ويأتيك نصرنا كما أتاهم نصرنا ، وتفريع حتى أتاهم نصرنا على صبروا أولى من تفريعه على كذبوا وأوذوا ، والمراد بالنصر القهر والغلبة ، أو إهلاك الأعداء ، أو إظهار البراهين والحجج ، والآية ، وعد النصر للصابرين .
{ولا تَبْديل لكَلماتِ الله} مواعيده ، وهي قوله: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} من صلة للتأكيد وبناء فاعل عند الأخفش ، المجيز زيادة من في الإيجاب والتعريف ، والمانع يجعلها للتبعيض تتعلق بمحذوف وجوبًا نعت لفاعل محذوف ، أي جاءك شيء ثابت حق نبأ المرسلين ، أي شيء هو بعض نبأ المرسلين ، ونبأهم هو خبرهم الواقع بينهم وبين أمهم ، إذ كانت أممهم تؤذيهم ويصبرون ويكذبونهم ، فما يمنعهم التكذيب عن التبليغ والتكرير ، وروى أن بعض المشركين أتوا رسول الله A في نفر من قريش فقالوا: يا محمد ائتنا بآية من عند الله كما كانت الأنبياء تفعل ، فإنا نصدق بك ، فأبي الله أن يأتيهم بها ، فأعرضوا عن رسول الله A ، فشق ذلك عليه فنزل قوله تعالى: