{وإذْ جَعلْنا البَيْتَ} : الكعبة ، غلب لفظ البيت عليها كما غلب النجم على الثريثا ، والكتاب على القرآن في مواضعه ، والكتاب أيضًا على كتاب سيبويه في مواضعه .
{مَثابةً للنَّاسِ} : أي مرجعا لهم يأتونه من كل جانب للحج ، رفيعهم ووضيعهم ، من ثاب يثوب بمعنى رجع بمثلثة ، كتاب يتوب بمثناة ، أو موضع ثواب لأن لهم ثوابًا على قصد الحج أو عمرة وطواف ، وعلى كلا الوجهين هو اسم مكان ، وتأنيث أسماء المكان والزمان والمصدر الميميات يحفظ ولا يقاس عليه ، وإن قلت: كيف يصح الوجه الأول وهو التفسير بالمرجع ، فإنه لا يصدق بمن لم يأته قط ، ثم أتاه؟ قلت استعمالا للمقيد في المطلق ، فإن أصل الرجوع الإتيان إلى الشيء بعد الانصراف عنه ، استعمل في مطلق الإتيان . ولك وجه آخر هو أن المراد الإشعار بأن البيت رغبة للناس يأتونه ويرجعون إلى أهليهم ، ثم يأتونه ، ويجوز أن يكون المعنى مجمعا لهم ، من ثاب يثوب ثبة بمعنى اجتمع ، وهو أيضًا اسم مكان شاذ بالتاء ، ثم رأيت الوجه الأول قولا للكلبى ، ووجه آخر ضعيف هو أن يكون بمعنى موضع التائبين عن الذنوب ، أو موضع التائبين أي الراجعين يرجعون إليه ، وهو كذلك اسم مكان شاذ بالتاء ، ويجوز أن يكون على تلك المعاني كلها مصدرا ميميا بمعنى مفعول ، أي مرجوعًا إليه مثوبًا على قصده بالجنة ، أو مجموعا فيه ، أو مرجوعا فيه عن الذنوب ، أو يقدر مضاف أي ذا رجوع أو ثواب أو اجتماع ، ويدل للمصدرية قوله تعالى:
{وأمْنًا} : فإنه مصدر على تقدير مضاف ، أي موضع أمن ، فهو بمعنى اسم مكان أو ذا أمن ، ويحتمل جعل من باب المبالغة كأنه نفس لفرط الأمن الملتجئ إليه ، ومن هو في حرمه كما سماه أيضًا آمنا في قوله جل وعلا: {حرما آمنًا ويُتَخطف الناس من حولهم} كان المشركون لا يتعرضون لأهل مكة ، ويقولون هم أهل الله . قال ابن عباس: أمنًا معاذا وملجأ ، ومن رواية الربيع بن حبيب بن عمر ، وعن أبي عبيدة عنه A في شأن مكة: « أنها حرام لحرم الله ، لم تحل لأحد قبلى لا تحل لأحد بعدى ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار » فغمزها النبي A بيده ، فقال: « لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ولا تحل لقطتها إلا لمنشدها لاو يختلى خلاها » فقال له العباس عمه ، وكان شيخا مجربًا ، إلا الأذخر يا رسول الله فإنه لا بد منه للقبور ، ولظهور البيوت ، فسكت النبي A قليلا ، فقال: « إلا الأذخر فإنه حلال » وكذا روى البخارى ومسلم عن ابن عباس أنه A قال يوم فتح مكة: