{وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ} : أي ظن اليهود أنه لا يكون عليهم بلاء بقتل الأنبياء ، ولحسب مفعولان وناب عنهما واحد لاشتمال اللفظ على المسند والمسند اليه ، والكون لا خبر ، أي وحسبوا عدم كون فتنة ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب برفع تكون ، وأن مخففة واسمها ضمير الشأن ، وحسبوا على هذا بمعنى علموا ، وله مفعول واحد كما مر في قراءة النصب ، وقال أبو الحسن والأخفش في مثل القراءتين: المفعول الثاني محذوف وجوبًا أي حسبوا عدم كونها حاصلا .
{فَعَمُوا} : عن الحق فلم يدركوه بالدلائل ، وعموا عن الدلائل .
{وَصَمُوا} عن سماع الحق ، كما عبدو العجل في زمان سيدنا موسى عليه السلام .
{ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِم ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا} : قدر الله لهم أنهم تركوا عبادة العجل ، ورجعوا عنها ، وهكذا معنى التوبة في هذا المقام ، فان ولاية الله وعداوته لا تنقلب ، فمن علم الله أنه يشقى لم يتب الله عليه ، بل هو في براءة الله ، وان قيل تاب عليه فما معناه الا أنه قدر له أنه رجع عن المعصية وسيرجع اليها ، وقد أصر على غيرها الا أن يفسر بالتوبة الحقيقة باعتبار القليل الذي لا يعمى ولا يصم بعد ذلك ، فذلك كل لا كيلة ، وقريء ، عموا وقريء عموا وصموا بضم العين والصاد بناء للمفعول على لغة تعدية عمى وصم بنفسهما ، والمشهور تعديتهما بالهمزة .
{كَثِيرٌ مِّنْهُم} : بدل من واو صموا بدل بعض ، ويقدر مثله لواو عموا أو فاعل لقوله: عموا على لغة: يتعاقبون فيكم ملائكة ، ويقدر مثله لعموا على التنازع أو بالعكس ، والواو إن على هذا حرف يدل على جماعة الذكور ، واذا أضمر على التنازع في هذه اللغة استتر الضمير وجوبًا ، وذلك لأنه يمكن كره هنا ضميرًا لاشتغال الفعل بالواو الحرفية ، وقيل خبر لمحذوف أي العمى والصم كثير ، وقيل: مبتدأ وعموا خبر مقدم ، وسوغ ذلك أنه لا يلبس التقديم لاتصال الواو بهما بالفعل والفاعل .
{وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} : عليهم به فلا يفوته عقابهم ، وذلك عادتهم يعصون ويتوبوا ، ثم ينكصون على أعقابهم فيموتون عاصين ، وقيل: العصيان الأول في زمان عبادة العجل فتابوا فقبلت توبتهم ، والثاني في زمان زكريا ويحيى وعيسى ، وقيل: عموا وصموا بعد موسى ، وتاب الله عليهم بارسال عيسى ، ثم عموا وصموا لارسال سيدنا محمد A .