{الَّذِين يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} : الذين نعت الفاسقين نعت ذم . ذمهم وشنع عليه بترك العهد الذي استوثق الله - D - عليهم به ، وهو العهد المأخوذ بالتعقل ، وهو ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد ، لما خلق الله في عقولهم ما يدركون به التوحيد ، لو استعملوا عقولهم صار بمنزلة ما أدركوه ، واستوثق الله عليهم ألا يتركوه ، وأعنى بالتوحيد: التوحيد الكامل ، وهو التصديق بالله ورسوله وما جاء به من القرآن والوحي ، وقد فسر بعضهم قوله تعالى: {وأشهد على أنفسهم} بركز الحجة على الحجة على التوحيد في عقولهم ، أو المراد بالعهد ما عهد إليهم في التوارة والإنجيل ، ومن إيجاب التصديق بالرسل للمعجزات المقرونين بها ، وعدم كتمانهم .
ففى التوراة: وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم . وفي الإنجيل: سأنزل كتابًا فيه أبناء بنى إسرائيل وما أريته إياهم من الآيات ، وما أنعمت عليهم ، وما نقضوا من ميثاقهم الذي أوثقوا به ، وما ضيعوا من عهده إليهم ، وحسن صنعى بالذين قاموا بميثاق الله ، وأوفوا بهداى ونصرى إياهم ، وكيف أنزل بأسى ونقمتى بالذين غدروا ونقضوا . وحرف اليهود اسم النبي محمد A ، كما فعلوا باسم عيسى عليه السلام ، فذلك الذي ألزمهم الإيمان هو العهد إذا نعموا بقلوبهم وألسنتهم . بل اتضاح الحجة كانها عهد أقروا به إذ لم تبق شبهة تمنعهم من التصديق ، أو المراد عهد الله إليهم ألا يتظالموا ولا يتقاطعوا . . . وقيل العهود ثلاثة: عهد على ذرية آدم جميعًا . قال الله تعالى: {وإذا أخذ ربك . .} إلخ وعهد خص به النبيين أن يقيموا الرسال والدين ولا يتفرقوا فيه ، قال الله تعالى: {وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم} وعهد خص به العلماء قال الله تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين} {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتو الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} وقد فسر بعضهم العهد في الآية بقوله تعالى: {ألست بربكم قالوا بلى} وفسره بعض: بالعهد الذي ألزم الله اليهود في التوراة أو يؤمنوا بمحمد - A - ويبينوا نعته وصفته . وبعض: بإبطال الكفار والمنافقين ما أبرم الله تعالى في القرآن من الأحكام الشرعية . والعهد: التقدم في الشيء والوصاية به ، والآية في الكفار . قال عياض: كل عهد جائز بين المسلمين ، فنقضه لا يحل بهذه الآية . واعلم أن الله - D - شبه ترك العهد بنقض الحبل ، وهو فك طاقاته ، تشبيهًا غير مصرح بأداته ، وإنما علمناه من إضافة العهد إلى الله ، فاشتق من النقض المستعار من نقض طاقات الحبل ، لترك العهد ينقض ، بمعنى يترك . فالاستعارة في ينقضون تبعية تصريحية تحقيقة والعهد قرينة ، وإن شئت فقل: شبه العهد بالحبل تشبيهًا غير مصرح به ولا بأداته ، وإنما نعلمه بإثباته للعهد ما هو حقيق بالحبل ومناسب له ، وهو النقض .