فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 7694

{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم} : حين تبتم من عبادة العجل ، والعفو عدم المؤاخذة بالجريمة ، المؤاخذة شبيهة بالأثر في الأرض أو غيرها ، والعفو شبيه بمحو ذلك الأثر أو هو مأخوذ من عفا الشيء إذ اندرس ، وعلى الوجهين العفو ذهاب الحال الأول من الذنب كما هو المراد هنا أو من غير الذنب . وقال عياض: لا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذنب .

{مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ} : الاتخاذ اتخاذ العجل إلهًا .

{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُنَ} : أي لتشكروا عفوه . فلعل هنا تعليلية ، ويجوز بقاؤها للترجى باعتبار نظر المخلوق . أي عفونا عنكم عفوًا ، يقول المتفكر من الخلق لعلكم تشكرون ، والشكر في أصل اللغة ضد الكفر ، والكفر الستر ، فالشكر إظهار النعمة والشكر شكر القلب وهو تصور النعمة ، أعنى استحضارها في القلب واستحضار صورتها فيه ، وشكر اللسان وهو الثناء على النعمة وذكرها وشكر سائر الجوارح ، وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها ، غير أن شكر الله لا يقوم به قائم بكله وحقيقته إلا بمسامحة الله في جعله قليل شكره كثيرًا أو كلا كما روى أن موسى عليه السلام قال: إلهى أنعمت علىّ النعم السوابغ: وأمرتنى بالشكر ، وإنما شكرى إياك نعمة منك فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى تعلمت العلم الذي ما فوقه علم ، حسبى من عبدى أن يعلم أن ما به من نعمة هي منّى ، وكما روى أن داود عليه السلام قال: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكرًا ، كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة ، ولذلك قيل حقيقة الشكر العجز عن الشكر ، وقيل الشكر لمن فوقك بالطاعة والثناء كما هو حال المخلوق مع الخالق ، وكما هو حال العبد مع سيده ، وأحاد الرعية مع الملك ولنظيرك بالمكافأة ولمن دونك بالإحسان والإفضال ، فشكر الله الطاعة بالقلب واللسان والجوارح سرًا وعلانية ، لأن القلب واللسان والجوارح نعم منه تعالى ، وفيهن نعم فشكره استعمالهن بالعبادة وعدم استعمالهن في المعصية ، فانهن خلقن للعبادة . وقد قيل شكر النعمة ذكرها بالقلب ليستشعر أنه مقصر في حق من أنعمها عليه ، وذكرها باللسان ليقوى تصورها بسماع الأذن والملائكة والجن والإنس ، ولينبه السامع فيشكر لأنه لا مخلوق إلا والله فيه نِعَمٌ لا تحصى ، وقيل شكر النعمة ألا يتعلق قلبه بتعظيمها في مجرد ذاتها ، بل يتعلق بالمنعم وتعظيمه ، فإذا تذكرها توصل منها إلى تعظيمه وانتقل منها إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت