{وَيومَ يحْشرهم جميعًا} مفعول لمحذوف ، أي واذكر يوم يحشرهم ، ويقدر القول حالا ناصبًا لقوله: {يا مَعْشر الجنِّ قد اسْتكثرتُم مِن الإنسِ} وصابح الحال المستكن في نحشرهم ، أي واذكر يوم نحشرهم قائلين يا معشر الجن ، والحال مقدرة أن يريد بالحشر البعث من القبر ، وأن يريد استكمالهم في الموقف بعد البعث من القبر ، فهي مقارنة ، ويجوز أن يكون استكمالهم في الموقف بعد البعث من القبرن فهي مقارنة ، ويجوز أن يكون يوم ظرف لنقول ، ناصبًا لقوله: {يا معشر} إلخ أي ونقول يوم نحشرهم جميعًا يا معشر الجن الخ ، وهذا قول الزجاج ، إلا أنه يقدر القول مبنيًا للمفعول مؤخرًا كهذا ، ويوم نحشرهم جميعا يقال: يا معشر الجن ، والظاهر أن هذا المبنى للمفعول فاعله غير الله ، أي ويقول الملك ، لأنه لو كان الله لقدر نقول فقيل: إن الله جل وعلا لا يكلم المشركين بنفسه ، ولا يكلمهم الله ، ولا ينظر إليهم .
والحق أن الله منزه عن التلفظ لمؤمن وكافر ، والمتلفظ على كل حال هو الملك ، سواء قدرنا قائلين ، أو يقال ثم رأيت ما يدل بما ذكرته في الكشاف إذ علقه بقول مؤخر كالزجاج ، لكن الله إذ قال: أو يوم نحشرهم ، قلنا: يا معشر الجن ، وأجاز وجهًا آخر هو أن يقدر قول معطوف على يحشر ناصب ل: {يا معشر} الخ ، يعلق اليوم بمحذوف مقدر بعد النداء ، حذف للتهويل ، أي ويوم نحشرهم ، وقلنا يا معشر الجن إلخ كان ما لا يوصف لقضائه ، ولك وجه آخر أن يقدر يا معشر الجن الخ نائبًا عن فاعل حال مقدر ، أي واذكر يوم يحشرهم مقولا لهم يا معشر ، فيكون صاحب الحال الهاء ، والظاهر مما قرب عود الهاء إلى المجرمين والمؤمنين جميعًا لعمومهم في قوله: {فمن يرد الله أن يهديه} {ومن يرد أن يضله} ويجوز عودها إلى كفار الإنس والجن في قوله: {ليوحون إلى أوليائهم} قيل: تعود إلى كل ما يبعث من الجن والإنس والدواب والطير والحوت وغير ذلك ، ولو كان الخطاب بالنداء للثقلين فقط والمحتمل لعله المعشر الجماعة التي ضبطهم أمر واحد كالمعاشرة والمخالطة ، أو دين واحد كقوله A: « نحن معاشر الأنبياء » أو غير ذلك .
والمراد بمعشر الجن الكفار منهم ، ولذلك فسر بعضهم الجن بالشياطين ، ولا مانع من إرادة المجموع الجن كلهم ، لكن الكلام كل لا كلية لأنهم ليسوا كلهم فيهم ما ذكر فيهم من السوء بعد ، وقرأ عاصم في رواية حفص عنه ويعقوب في وراية: روح عنه ويوم يحشرهم بالتحتية برد الضمير المستتقر إلى رب في قوله تعالى: {عند ربهم} .
{قَدِ اسْتكثرتُم مِنَ الإنسِ} قال مجاهد والحسن والكلبى: أي من إغواء الإنس وإضلالهم بالوسوسة ، ولا قدرة لهم على الجبر ، والسين والتاء للعلاج والمبالغة والطلب ، أي طولتم كثرة إغواء إبليس الإنس ومنى الابتداء وذلك في الدنيا ، ويجوز أن يكون المعنى حاولتم أن يكثر عددكم وأتباعكم ، وأخذتم الكثرة من الإنس بأن وسوستموهم فاتبعوكم في الدنيا فحشروا معكم اليوم ، وهذا الاستكثار في الدنيا ظهرت نتيجته في الآخرة إذ حشروا معهم ، وذلك تبكيت لهم وتوبيخ على إضلال الإنس تضمن توبيخًا وتبكيًا للإنس والتابعين ، وليس كثرة العدد قصدًا للجن في الآخرة ، ويجوز أن يقصدوا وجودها في الدنيا ، كما روى أن عظماء الجن الذين يعوذ بهم الغنس في أسفارهم يعجبون بذلك ، ويقولون: ملكنا للإنس والجن ، ولما حصل تبكيت الإنس التابعين لهم حكى الله جل وعلا جواب الإنس بقوله:
{وقال أولياؤهم مِنَ الإنس} أي الذين أطاعوا الشياطين من الإنس {ربَّنا اسْتمتعَ} انتفع {بعضُنا ببعْضٍ} بعض الإنس ببعض الجن ، وبعض الجن ببعض الإنس ، فانتفاع الإنس بالجن بكون الجن يدلونهم على أشياء خفية على ألسنة الكهان وغيرهم ، وعلى الشهوات وما يوصل إليها ، وإجارتهم اذ استجاروهم كقولهم: أعوذ بعظيم هذا الوادى ، ويعينونهم في أمر السحر وانتفاع الجن بالإنس تعاظمهم باستجارة الإنس فإنهم يرون استجارة الإنس شرفًا لهم ، وطاعة الإنس لهم فيما يأمرونهم به ، وتقربهم إليهم بالذبائح وغيرها ، ولا يضعف ذكر الاستجارة في الانتفاع فله من يستجير بهم ، لأن بعضا ينتفع بالاستجارة ، وبعضا بغيره ، وإنما يضعف نقلته قول من فسر الانتفاع في الآية بها فقط ، بأن قال انتفاع الجن تعاظمهم باعتراف الإنس لهم بالسيادة وطلب الإجارة ، وانتفاع الإنس انتفاعهم بإجارة الجن وهو قول الكلبى ، وأصله من قوله تعالى: