{وإذا سَألَكَ عِبادِى عَنِّى فإنِّى قَريبٌ} : روى أن أعرابيا قال لرسول الله ، A ، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فننادية؟ فنزلت الآية . وظاهر هذا أن المراد: إذا سألك عبادى عن قربي إليهم ، أو بعدى . وقيل: إن الصحابة سألوا رسول الله A في أي ساعة ندعو ربنا؟ فنزلت الآية . وظاهر هذا أن المراد إذا سألك عبادى: أيّ وقت أقرب للإجابة . قويل: إن بعض الصحابة الحديثى العهد بالإيمان ، قالوا لرسول الله A: أين ربنا؟ فنزلت الآية . والمعنى وإذا سألك عبادى عن مكانى ، فإني متعال عن المكان متنزه عنه ، ولكنى قريب إلى كل شيء . وعن ابن عباس رضى الله عنهما: قال يهود المدينة: يا محمد كيف سمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام ، وأن غلظ كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت الآية . والروايتان السابقتان أولى ، لأن أضافة العباد إلى نفسه مع قوله: {إني قريب أجيب} الآية . تدل على اللطف والرحمة ، ولا يناسبها هؤلاء الكفرة المغضوب عليهم .
وأما قوله تعال: {يا عِبادىَ الَّذِينَ أسْرفُوا} فجلت للمسرفين وتحبب إليهم لئلا ييئسوا ، والأكثر على الروايتين السابقتين ، ويناسبهما ما ذكر بعض أن موسى صلى الله على جميع الأنباء قال: يا رب . أقريب لأأنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ فأوحى الله إليه: أنا عند ظن عبدى ، وأما معه إذا دعهانى ، ويقرب منهما ما قيل: لما نزل قوله تعالى: {ادْعُونى أسْتَجبْ لكُم} فقال رجل: كيف ندعو يا رسول الله؟ أي أنجهر أم نخافت؟ فأنزل الله جل وعلا: {وإذا سَألكَ عِبادِى عنِّى فإنِّى قريب أجيب دعوة الداع} ورواية الحسن البصرى أن قوما قالوا للنبي A: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت الآية . وروى أن الآية نزلت في الذين جامعوا ليلة الصيام بعد النوم وبعد صلاة العشاء ، وكان ذلك حراءًا ونسخ . وروى البخارى ومسلم عن أبي موسى الأشعرى ، لما غزا رسول الله A خيبرا وقال توجه إلى خيبر أشرف الناس على واد ، فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر لا إله إلا الله . فقال رسول الله A: « أيها الناس أربعون على أنفسهم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا وهو معكم » « ومعنى أربعون على أنفسكم: أرفقوا بها أو كفوا عن الجهر ، وإن قلت . الله قريب سواء سألوا أم لم يسألوا فكيف قال: {وإذا سألك عبادى عنى} ؟ قلت: الجواب محذوف تقديره: فقل إني قريب ، ومقتضى فقل إنه قريب لكن جئ بضمير التكلم تأكيدًا فويه الالتفات .
وإن قلت: ما معنى قربه تعالى؟ قلت: ذلك كناية أريد فيها لازم المعنى ، ومحال إرادة المعنى ، لأنه تعالى لا يوصف بالحلول ولا بالحتواء ، ولا بالتحيز والقرب الحقيقى متضمن ذلك كله ، فليس مرادًا ، لكن المراد لازمه في الجملة ، وهو العلم بحال العبد ، وقوله وفعله .