{وجَاءَ المعَذرونَ} هو اسم فاعل عذّر بتشديد الذال ، يقال: عذر بالتشديد في الأمر إذا إذا قصر فيه ، موهما أن له عذرا ولا عذر له ، وهم منافقون لم يسروا الشرك ، بدليل أنه قابلهم بقوله: {وقَعد الذين كذبوا الله ورسوله} وهم المنافقون الذين أسروا الشرك ، فنفاق المعذرين بالكسل والكذب في ادعاء العذر ، مع أنه لا لهم عذر ، أو اسم فاعل اعتذر ، فأصله المتعذرون أبدلت التاء ذالا وسكنت بنقل فتحتها للعين وأدغمت .
ويجوز في سائر الكلام في مثل هذا كسر الفاء ، بأن يقال: وقع التسكين بلا نقل ، فالتقى ساكنان وكسر الأول وهو الفاء وضمهما تبعا للميم ، كما في اسم فاعل يهدي ويخصم بفتح الياء وتشديد ما قبل الآخر ، والمعنى جاء الذين اعتذروا ، وكونهم غير صادقين في العذر مستفاد من خارج لا من الصبغة ، كما زعم بعض ، وقيل هم منافقون أسروا الشرك ، وإنما قابلهم بقوله: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} لأن هؤلاء القاعدين أظهروا شركهم بقعودهم بدون اعتذار ، بخلاف المعذرين ، أو كل منافقون ، وخصهم لأنهم لم يعتذروا ، وقيل: المعذرون مؤمنون عذرهم صحيح ، فاعتذارهم الحق .
ويجوز على هذا وجه آخر ، وهو أن يكون من اعتذر بمعنى بالغ في طلب اجتهاده ، فهم بالغوا في طلب الغزو معك ولم يقدروا ، وبكونهم مؤمنين ، قال ابن عباس ، ومجاهد ، وغيرهم ، وعليه قراءة الضحاك ، والأعرج ، وأبي صالح بإسكان العين ، ونسبت ليعفوا من قولك: أعذر إذا جاء بعذر مقبول واجتهد فيه ، كقوله A: « لقد أعذر من أنذر » أي لا لوم على من أعذر ، أي جاء بعذر بين وهو الإنذار ، وقرأ مسلمة بتشديد العين والذال ، على أن الأصل المتعذرون ، أبدلت التاء عينا ، وأدغمت في العين ، وهو لحن مردود عليه ليعد مخرج التاء من العين ، فلا تبدل وتدغم ، وقرأ سعيد بن جبير: المتعذرون بتاء قبل العين وهو صحيح .
{مِنَ الأعْرابِ} عرب البادية {ليؤذَنَ لَهم} في القعود فأذن لهم ، وهم اثنان وثمانون رجلا من أسد وغطفان ، يعتلون بقلة المال ، وكثرة العيال ، وقال مجاهد ، وابن إسحاق: من غفار منهم خفاف بن إيماء بن رخصة ، وهذا يقتضى أنهم مؤمنون ، ونص مجاهد أن الله لم يعذرهم ، وقال الضحاك: « من رهط عامر بن الطفيل ، قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طييء على أهلينا أو مواشينا ، وقال رسول الله A: » سيغنينى الله عنكم « » .
{وقَعَد الَّذين كَذبُوا اللهَ ورسُولَه} أي لم يأتوها بصدق ما في ألسنتهم من أنهم غير مشركين ، أو من أنهم آمنوا أو أخلصوا ، وليسوا بمخلصين إذ قعدوا بلا عذر ولا استئذان ، جرأة على الله ورسوله ، وعن أبي عمرو بن العلاء: أنهم هم المعذرون ، وعليه فقعدوهم بعد اعتذار ، ويكون الذين حينئذ موضوعا موضع الضمير يشفع عليهم بما تضمنته الصلة من الكذب في الاعتذار ، كذا ظهر لي في توجيه قوله ، وقرأ أبيّ والحسن في الرواية المشهورة عنه بتشديد الذال ، وهو أنسب بالإشراك .