{فَخَلفَ مِنْ بَعْدهم} أي من بعد اليهود الموصوفين ، والمراد من بعد من تقدم منهم ، ويدل على هذه الإرادة أن الكلام المذكور على العموم إلى يوم القيامة {خَلْفٌ} هو من جملة العموم السابق ، ورجح بعضهم بقوله: {فخلف من بعدهم خلف} قول الطبرى أن المراد بالصالحين من كان قبل بعث عيسى ثابتا على الدين ، وإن قلت: إذا كانت هذه الهاء شاملة لغير المؤمنين ، فما فائدة الكلام؟
قلت: فائدته التنبيه على فعل سوء من أفعالهم إعظاما له ، وهو أخذ الرشوة ، وإذا جعلنا قوله: {ومنهم دون ذلك} فيمن آمن وعمل ولم يصل درجة الصالحين المذكورين ، فلا إشكال أصلا ، والخلف بإسكان اللام بدل سوء ، قال لبيد:
ذهبَ الَّذين يُعاش في أكنافهم ... وبَقيتُ في خَلفٍ كجلْد الأجرب
يتحدثون مخانة وملاذة ... ويعاب قائلهم إن لم يشغب
يقال ولد خلف وقوم خلف ، أي أردياء ، والخلف بفتح اللام بدل خير يقال: ولد خلف وقوم خلف أي صالحون ، وفي الحديث: « يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله » ذكر ذلك في السؤالات ، وأصل الخلف بالإسكان الفساد والتغيير ، خلف اللين فسد ، وخلف فم الصائم تغير ، وذلك هو الأشهر ، وقد تسكن في المدح كقول حسان:
لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لا ولنا في طاعة الله تابع
وليس ضرورة ، وقد تفتح في الذم قاله أبو عبيدة والزجاج ، ويجوز قراءة بيت لبيد بالفتح ، وكلاهما يطلق على الواحد والجمع ، لأنه مصدر ، وقيل: جمع ، والمراد به في الآية من يأخذ الرشوة من اليهود قبل سيدنا محمد أو بعد بعثه ، وقيل: المراد الذين في عصره ، وقال مجاهد: النصارى ، وضعفه الطبرى ، وقيل: بدل السوء من أي ناس جاءوا مفسدين بعد صلاح من صلح من اليهود .
{وَرِثُوا الكِتابَ} التوراة عمرة قبلهم يقفون على ما فيها ، ولا يعملون به ، وقرأ الحسن بن أي الحسن البصرى بضم الواو وتشديد الراء ، فالكتاب مفعول ثان لتعديه بالتضعيف إلى اثنين ، والأول الواو النائب {يأخُذونَ عَرَض هَذا الأدْنى} متاع هذا الشيء الأدنى الذي هو الدنيا وعرضها متاعها ، والمراد به الرشا على الحكم ، وعلى تبديل كلام الله تسهيلا على الضعفاء والعامة ، وسمى متاع الدنيا عرضا لأنه لا يبقى ولا سيما الحرام كالرشوة ، وفي الحديث: « الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر » وحقره وخسسه بقوله: {هذا الأدنى} حيث أشار إليه إشارة قرب إشارة بعد المنزلة وعلوها ، ووصفه بأنه أدنى أي قريب عاجل يعقبه زوال أو دنى ساقط ، والجملة صفة ثابتة لخلف ، والأولى ورثوا أو حال منه أو من الواو .
{ويقُولُون سيُغْفر لنا} نائب يغفر أو نائبه ضمير مستتر عائد إلى الأخذ المدلول عليه بيأخذون ، و القول قول بألسنتهم ، أو اعتقاد أو ظن ورجاء ، وعلى الأول فإنما نطقوا بذلك رجاء وظنا أو اعتقادا ، والواو عاطفة أو حالية بتقدير المبتدأ ، أو قد أو بلا تقدير ، وقولهم: {سيغفر لنا} داخل في جملة الذم من حيث إنهم يقولون: {سيغفر لنا} وهم مصرون على ذلك العرض شديد أو الحرص عليه كما قال {وإنْ يأتِهِم عَرضٌ مثْلُه} على الارتشاء أو التبديل بعد أخذ العرض قبله وبعد قولهم سيغفر لنا {يأخُذُوه} وهذه الواو حالية ، وصاحب الحال فاعل ، يقول: أو استئنافية ، والهاء في مثله عائدة إلى العرض المدلول عليه بقولهم: {سيغفر لنا} لأن المراد يفغر لنا أخذ عرض خاص أخذناه ، وهو جميع ما أخذوا ، أو إلى العرض المذكور قبل ، لأنه مراد به الحقيقة ، فهذا الضمير إلى حصة منها .