{وتَولَّى عَنهم} أعرض لكراهمة ما جاءوا به {وقالَ يا أسفى} نداء تفجع ، والأصل يا أسفى أحضر ، فهذا أوانك والأسف أشد الحزن والحسرة والألف بدل من ياء المتكلم ، وكان ذلك النداء لظهور أن المراد التوجع والتفجع لا حقيقة طلب الإقبال ، وليس مراده بذلك النداء الجزع ، بل التوجع إلى الله والشكوى غليه ، وهو في المعنى بمنزلة قولك يا إلله ارحم أسفى .
{عَلى يُوسفَ} متعلقب بإلا يوسف وبينهما تجانس ، وهو بديع مستملح نحو قوله تعالى: {اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا} والشاهد {في الأرض} و {أرضيتم} {وهم ينهون عنه وينأون عنه} {ويحسبون أنهم يحسنون صنعا} و {من سبأ بنبأ} وإما تأسف على يوسف فقط ، مع أن المفقود آخر من يكون وجعه عليه طريا ، لأن إصابته بفقد يوسف كانت قاعدة لمصيبات ، وعليها تترتب ، وكانت غصة طرية مع تطاول الأزمان ، ولم يقع فائت عند موقعه ، ولأنه كان واثقا بحياة من بقى بمصر منهم دون يوسف ، خلافا لرواية أنه علم بحياته من الوحي ، وعنه A: « لم تعط أمة من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وإنما قال: يا أسفى » وهذا يرد قول بعض أنه لا يبعد أن يجتمع الاسترجاع ويا أسفى لهذه الأمة وليعقوب عليه السلام .
{وابيضَّتْ عَيناهُ من الحُزْن} وقرئ بفتح الحاء والزاي ، أي للحزن أي لكثرة بكائه من الحزن حتى محقت الدمعة سواد العين ، وقلتته إلى بياض ، وكان لا يبصر شيئا قال قتادة: لم يبصر شيئا ست سنين ، وقيل: كان يدرك إدراكا ضعيفا ، وقد علمت أن من للتلعيل ، لأن الحزن إذا كان علة لكثرة البكاء ، وكثرة البكاء علة للابيضاض ، فهوعلة للابيضاض إذا كان علة لعلته ، ويجوز أن تكون للابتداء إذ حدث ابيضاضهما من الحزن .
قال في عرائس القرآن: قال الحسن: ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاما ، وما على وجه الأرض أكرم منه على الله سبحانه ، وعن رسول الله A: « أنه سأل جبريل: ما بلغ وَجْد يعقوب على يوسف ، قال: وجْدُ سبعين ثكلى ، قال: فما كان له من الأجر؟ قال: أجر مائة شهيد ، وما ساء ظنه بالله تعالى ساعة قط » .
وهكذا قال جبريل ليوسف حين دخل عليه السجن ، فقال: هل تعرفنى أيها الصدِّيق المخلص؟ قال: أرى صورة حسنة ، قال: انا جبريل ، قال: فما أدخلك مدخل المذنبين؟ قال: إن الأرض التي يحلها نبي أطهر أرض ، وقد طهر الله بك السجن وما حوله . قال: كيف لي باسم الصدِّيق المخلص ، وقد أدخلت مدخل المذنبين؟ قال: لأنه لم يفتن قلبك بسيدتك ، ولم تطعها في معصية ربك بعد السؤال عن حال أبيه وأجره قال: أفترانى لاقيه؟ قال: نعم ، فطابت نفسه ، قال: ما أبالى ما لقيت .