{فَبِمَا نَقْضِهِمِ مِّثَاقَهُمْ} : معطوف الفاء محذوف وبه تعلق الباء أي ففعلنا فيهم ما فعلنا من اللعن والسخط المسخ بسبب نقضهم ميثاقهم ، وما صلة بين الجار والمجرور لتأكيد نقضهم ، وتسببه في الفعل بهم ، ويجوز أن يكون التقدير فلعناهم بنقضهم ، وأجيز أن يتعلق بحرمنا المذكور بعد فيكون حرمنا هو معطوف الفاء ، وعلى هذا فيكون بظلم بدلا من قوله: بنقضهم ، فتكون الفاء صلة في قوله: فبظلم ، وفي ذلك كثرة الفصل بين البدل والمبدل منه .
وفيه أيضا أن هذه الذنوب العظام انام ينبغى تفريع عقوبة عظيمة كاللعن لا تحريم طيبات أحلت لهم ، فيعلق بما نقضهم بمحذوف كما رأيت ، ويعلق بظلم بحرمنا بعده ، ولو فسرنا هذا الظلم بهذه الذنوب العظام النقض وما بعده ، لأنه ذكر حينئذ فالعطف بتحريم طيبات ، وقد عاقب أيضا بغير تحريمها ، ويضعف تعليقه بلا يؤمنون الا قليلا ، لأنه يتكرر مع قوله لا يؤمنون ، فيتكلف أنه قيد نفى الايمان ثانيا لاستثناء القليل بيانا للنفى الأول العام ، ولأنه يعود الى قولهم: قلوبنا غلف بدليل قوله في البقرة: {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم} واذا علقناه بالمحذوف لم يكن ، بل طبع ردا لقولهم: قلوبنا غلف ، ولقولهم المعطوف ، ومعنى نقضهم اصطيادهم في السبت والعمل فيه ، أو كل ما نهوا عنه وترك ما أمروا به ، وعلى هذا الأخير يكون ذكر ما بعده تخصيصا بعد تعميم .
{وَكُفْرِهِم بِأَيَاتِ اللهِ} : بالقرآن و الانجيل ، وببعض التوراة ، أو بآيات الله كلها ، لأن الكفر ببعضها كفر بها كلها .
{وَقَتْلِهِمُ الأَنبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقًّ} : بلا موجب قتل ولو عندهم ، وأما عند الله فلا يمكن أن يستحق بنى قتلا ، وسبق الكلام على ذلك .
{وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} : جمع غلاف بمعنى أنها مشتملة على العلم اشتمال الغلاف على ما غلف عليه ، فلا نحتاج الى ما تزيدنا ، أو جمع أغلف وهو ما تغطى بغيره بمعنى أنها في أغطية لا نفهم ما تقول كقوله: {في أكنة مما تدعونا اليه} الآية ، ومن الكلام على ذلك .
{بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} : ختم عليها بكفرهم كما يختم على الشيء بغطائه فكفرهم خاتم عليها كسداد الخابية ، ووكاء السقاء ، فبعد كفرهم لا يدخلها علم ولا تتدبر وذلك خذلان وهو ترك توفيقهم ، وكذا كان كفرهم بخذلان ولا خبر هناك .
{فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلًا} : ايمانا قليلا لكفرهم بأكثر كتب الله ، وذلك أنهم كفروا بغير موسى والتوراة ، أو زمانا قليلا أو الا قليلا من الناس كعبد الله بن سلام ، وأصحابه ، والاستثناء في هذا الأخير منقطع ، لأن المطبوع على قلبه لا يشتمل وآمن ، اذ من طبع على قلبه لا يؤمن ، ولانقطاعه نصب مع تقدم النفى ، ولم يرفع على الابدال والاستثناء على الأولين مفرغ ، وان لا حظنا على الأخير في قوله: لا يؤمنون من لا يؤمن ، مع قطع النظر عن كونه مطبوعا عليه بما كان الاستثناء متصلا ، لكن الأولى حينئذ الابدال ولم يكن هنا بل نصب على الاستثناء .