{ولا تأكُلُوا أمْوَالَكُم} : لا يذهب بعضكم مال بعض بإفساده أو بأخذه لنفسه أو لغيره ، أو بأكله أو شربه أو بلبسه ، أو بغي ذلك من وجوه الانتفاع ووجوه إتلاف المال عن صاحبه بذاته او منفعته ، وعبر بالأكل عن ذلك كله لأنه الجزء الأعظم رغبة ، وقد تعارف بين الناس [ أنّ ] فلانًا يأكل أموال الناس بمعنى يأخذها بغير حقها ، وذلك استعمال للفظ الخاص وهو الأكل في العام ، وهو مطلق الإتلاف عبر عنه بالأكل الذي هو غتلاف مخصوص ، وذلك مجاز مرسل تبعى في تأكلوا أصلى في الأكل ، فالمراد بالأكل الإتلاف المطلق الشامل للأكل بغير الأكل بالإتلاف بالأكل ، فسماه باسم الأكل ، فالمراد على هذا الوجه بالأكل سائر الإتلافات بغير الأكل ، ويقاس عليها الإتلاف بالأكل ، وقال {أموالكم} إيذانًا بأن المسلمين كنفس واحدة ، وأن من آذى مسلمًا كمن آذى نفسه .
{بيْنكُم} : حال من الأموال أو متعلق بتأكلوا .
{بالبَاطِل} : أي بالأمر الذاهب الذي لا يثبت بحجة الحق لآخذه ، ويجوز أن يكون المراد بالباطل ما حرم الله كالسرقة والغصب وسائر الإتلافات على أنه حقيقة شرعية في خصوص ذلك ، وإنما صدق واحد والباء للآلة وللمصاحبة أو للسببية .
{وتُدْلُوا بِها إلى الحُكَام} : عطف على تأكلوا ، فهو في حيز النهي ، أي لا تدلوا بها إلى الحكام ، فهو مجزوم ، ويجوز أن تكون الواو مفيدة مفهوم مع ، واقعة في سياق النهي ، وتدل منصوب بأن مضمرة وجوبًا والعطف على مصدر مقدر بالمعنى ، أي لا يكن منكم أكل أموالكم بالباطل مع إدلائكم بها إلى الحكام ، فيكون المراد خصوص الإتلاف الواقع بالأداء ، والوجه الأول أولى لعمومه ، فإن يعم الإتلاف بغير الإدلال ، والإتلاف بالإدلاء الإلقاء أي لا تلقوا بحكومتها إلى الحكام ، أعنى بحكومة الأموال أو لا تلقوا بأموال إلى الحكام رشة . شبه ذلك بإرسال الدلو في البئر رجاء للماء فسماه باسم إرساله وهو الإدلاء .
{ِتأْكُلُوا فَريقًا مِنْ أمْوالِ النَّاسِ بالإثْمِ} : هذا مما يدل على ألا تدلو معطوف على تأكلوا ، لأن هذا تعليل لتدلوا ، فجعل تدلوا منصوبًا بعد واو المعية ، مع كون هذا تعليلا له مرجوع ، والمعنى لتأكلوا ما ليس لكم بالتحاكم للتحيل في الكلام ، أو للرشوة ، أو لشهادة الزور ، أو لكتمان الشهادة ، او للجحدود حيث لا يبيت ، فيحلف فيأخذ أو نحو ذلك ، والفريق من أموال الناس هو القطعة منها ، والتاء سببية متعلقة بتأكلوا الثاني ، أو للماصحبة متعلقة بمحذوف حال من واو تأكلوا الثاني ، والإثم الذنب ، قال ابن عباس: نزل قوله تعالى: {وتُدلُوا بها إلى الحُكَّام لتأْكُلوا فَريقًا مِنْ أمُوالِ النَّاسِ بالإثْم} إلخ ، في الرجل يكون عليه المال وليس عليه ببنة ، فيجحد ويخاصم إلى الحكام ، وهو يعمل أن الحق عليه ، وأنه أثم بمنعه ، وعن الإثم هنا اليمين الكاذبة ، وقيل الشهادة الزور ، والتحقيق أن الباطل خلاف الحق ، وأن الإثم الذنب وهو ظلم وكلاهما يتصور بوجوده الإتلاف كلها بالقول والفعل والسكوت ، فدخل في ذلك النهب والغصب والتعدى ، والأخذ بنحو القمار والغناء والخمر واللهو والشروة والرور ، والأخذ بالصح مععلمه بانه لا حق له ، والخيانة في الوديعة والأمانة ومال اليتيم ونحوه ما يكون القول فيه قوله ، وقد قال قوم معنى {تُدْلُوا بِهَا إلى الحكَّام} تسارعون في الأموال الخصامية إذا علمتم أن الحجة تقوم لكم ، إما بأن تكوَن على الجاحد بينة ، أو يكون مال أمانة كاليتيم ونحوه مما القول فيه قوله ، فالباء ظرفية أو سببية ، وقيل المعنى ترشوا بأموال لتأكلوا أموالا أخرى بغير حق ، قيل فالباء إلزاق مجرد ، ورجحه بعض أن الحكام مظنة الرشا إلا من عصم وهو الأقل .