{الَّذِينَ} مبتدأ ، وجملة {أولئك لهم عقبى الدار} خبر مع ما عطف عليه من الموصلين بعده ، والذين نعت لأولوا ، والأول أصح ، ويدل له قوله D: {والذين ينقضون عهد الله} إلى {أولئك لهم اللعنة} فإن الذين فيه مبتدأ ، وأولئك لهم اللعنة خبره ، وعلى الوجه الثاني: فأولئك لهم عقبى الدار مستأنف ، ذكر ما استوجبوا بتلك الصفات ، وهن ثمانية كما قال الثعلبى عن ابن المبارك: إن هذه الثمانى الخصال مسيرات إلى ثمانية أبواب الجنة .
وكما قال أبو بكر الوراق: هذه ثمان جسور ، فمن أراد القربة عبرها ، وهن: الوفاء بالعهد ، ووصل ما أمر الله بوصله ، وخشية الله ، والصبر لله ، وإقامة الصلاة ، والإنفاق ، ودرْء السيئة بالحسنة .
وأما عدم نقض المشاق فأدخلاه في الوفاء بالعهد ، وإن أريد به عدم نقض ميثاق الخلق ، وخص الوفاء بعهد الله بالوفاء بغير ميثاق الخلق كانت تسعة ، والمراد من جمع تلك لاخصال ، فالعطف من عطف الصفات لموصوف واحد ، أو أراد بكل منها من بالغ فها ، وأتى بالقدر الواجب منغيرها من الفرائض .
{يوفُونَ بعَهْد اللّهِ} أي بما عهد الله لهم في كتبه ، وعلى ألسنة أنبيائه من أمر ونهى ، وسمى ذلك عهدا لأنه شيء وقع بينه وبينهم فيه أمر ونهى ، وقد علموه ، تقول: لا عهد لي بكذا ، أي لا اتصال لك به ، ولا أعلم ، أو سمى عهدا لأنه لوضوحه وظهوره واعتقادهم إياه كالشيء الذي أعطوا عليه عهدا وميثاقا ، أو المراد ما عقدوه على أنسهم حين عرفوا الله ، ودخلوا العلم عاهدوا الله أن لا يخالفوه ، أو ماعاهدوه حين خرجوا من آدم كالذر وقالوا: أنت ربنا ، وما ذكر أولى لعمومه ، وأصل العهد العلم بالشيء ومراعاة شيء حالا فحالا ، كما يقال: فلان يتعاهد الضيف والمريض ، أي لا يغفل عنهما .
{ولا يْنقضُون الميثاقَ} بترك المأمور به ، وفعل المنهى عنه ، أو بترك الإقرار لله سبحانه وتعالى بالربوبية ، وذلك تأكيد اللوفاء بالعهد ، ويجوز أن يراد به عدم نقض الميثاق فبما بينهم ، وبالوفاء بالعهد الذي بينهم وبين الله ، الذي لا حق فيه لمخلوق ، فلا تأكيد ، وأن مطلق عدم نقض الميثاق فيكون تعميما بعد تخصيص .