{وَظَلَلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} : السحاب الرقيق في التيه سترًا لكم من حر الشمس . قيل: وقعوا فيه بدعاء بالعام بن عوراء سمع أهل بلده وهي بلدة الجبارين بقدوم موسى لقتالهم فسألوه أن يدعو لهم ألا يصلهم موسى وجنده فأبي . فما زالوا به حتى فتنوه عن دينه فدعا . وكان يحسن اسم الله الأعظم . ولما أوحى الله إلى موسى بذلك بعد سؤال عن موجب التيه ، أوحى الله D بأمر بلعام فقال: اللهم كما أحببت له فأجب لي فيه ، فنزع اسمه الأعظم منه وتدلى لسانه وكان يلهث كالكلب إلى أن مات ، ويأتي ذلك إن شاء الله في سورة المائدة وسورة الأعراف . والصحيح أن موجب التيه أن موسى أمر . من بقى من القتل الواقع بعبادة العجل بقتال الجبارين ، وكانوا في موضع التيه حين أمرهم وعصوه {وقالوا اذهَبْ أنتَ وربُّكَ فقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدون} فدعا عليهم موسى ، فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفَحْص أربعين سنة يتيهون في مقدار خمسة فراسخ أو ستة يمشون النهار كله فيبيتون فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس ، فندم موسى فقال الله تبارك وتعالى: {فلا تَأْسَ على القَوْمِ الفاسقين} وروى أنهم ماتوا بأجمعهم في فحص التيه بين مصر والشام ، ونشأ بنوهم على خير طاعة وخرجوا بعد الأربعين وقاتلوا الجبارين ، ولما حصلوا في التيه ولم يكن لهم فيه ما يسترهم قالوا لموسى من لنا من حر الشمس ، فظلل الله سبحانه عليهم الغمام وقالوا بم نستصبح بالليل ، فضرب الله عمود نور في وسط محلتهم مكان القمر ، وقال مكى من علماء الأندلس والشيخ هود C والقاضي: عمود نار كصاحب الكشاف ، وذكروا عمودًا من نار يسيرون في ضوئه ، وقالوا من لنا بالماء فأمر موسى بضرب الحجر كما قال الله تعالى: {وإذ استسقَى موسى لقومه فقُلنا اضْرِب بعصاك الحَجَر} ، وقالوا من لنا باللباس فأعْطوا ألا تبلّى ثيابهم ولا تتسخ ، وقالوا من لنا بالطعام فأنزل الله عليهم المن كما قال الله D:
{وأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمنَّ} : وهو الترنجبين حلو أبيض يشبه الثلج ، من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، لكل إنسان صاع ، وقيل كان أشد بياضًا من الثلج وأحلى من العسل ، ويأخذ أحدهم ما يكفيه يومه وإن زاد فسد ولم يبق عنده إلا يوم الجمعة فإنهم يأخذون ما يكفيهم فيه وفي يوم السبت ، ويبقى ولا يفسد لأنهم أمروا في يوم السبت بالعبادة وترك أشغال الدنيا . وقال بعضهم: المنّ صمغة حلوة ، وقيل عسل ، وقيل شراب حلو ، وقيل الذي ينزل اليوم على الشجرة ، وكان طعمه كالشهد ، وقيل كان ينزل عليهم المن كل ليلة من وقت السحر إلى طلوع الشمس ، وسُمي المن لأن الله سبحانه وتعالى مَنَّ به من غير تعب ، كما روى البخارى ومسلم عنه A: