{أوَ مَن كانَ مَيْتًا} شبيهًا في عدم الانتفاع لنفسه ، وعدم تخليص نفسه من المهالك ، وذلك مخلو قلبه عما هو كالحياة وهو الإيمان ، وتشديد الباء قراءة نافع ويعقوب ، وقرأ غيرهما بإسكانها {فأحْييْناه} أزلنا ما في قلبه من الشرك الشبيهة بالموت بالتوفيق للإيمان {وجَعَلنا لهُ نورًا} دلائل وبراهين توصله إلى الإيمان شبهية بالنور الذي يهتدى به إلى المطالب {يمْشِى بهِ في النَّاسِ} يميز به أعنى بذلك النور بين الضلال والرشاد تميزا شبيهًا بمشى من يمشى في الناس ذاهبًا وراجعًا بينهم في مصالحه .
{كَمن مثلُه في الظُّلمات} أي صفته الغريبة الشبيهة بالمثل في الغرابة في الظلمات مثله مبتدأن وفي الظلمات خبره ، وكمن خبر من الأولى ، والهمزة مما بعد الواو أو داخلة على محذوف ، ومعنى كون صفته في الظلمات أنه مغمور بالظلمات غارق فيها ، لا يجد طريقًا ولا يتيسر له التصرف في مصالحه ، والخروج عن المضار ، وذلك هو إشراكه ومعاصيه الشبيهة بذلك ، ويجوز فإنه بهاء بإشراكه لا ينجو من الشر ولا يفوز بالخيرن ومن أجاز زيادة الأسماء قال مثل مفخم ، والأصل كمن هو في الظلمات .
{لَيسَ بخَارجٍ منْها} الجملة حال من المستتر في قوله: {في الظلمات} حال كونه مقيمًا فيها لا يفارقها ، أي ليس بخارج من الظلمات ، أي من الضلالات ، وليست الجملة حالا من هاء مثله ، ولو كان المضاف كجزء المضاف إليه هنا للفصل بالخبر ، ومجموع قوله: {من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشى به في الناس} استعارة مركبة كما رأيت بيان إفرادها ولا يشكل معى ذلك ذكر أداة التشبيه في قوله: {كمن مثله في الظلمات} لأن هذا لفظ آخر خارج عن تلك الاستعارة .
وقيل: النور نور يوم القيامة الذي أمام المؤمن والظلمات ظلمات يوم القيامة أمام الكافر ، وقال قتادة: النور القرآن ، والظلمات الجهل ، وعلى كل حال المراد لتمثيل المؤمن والكافر عمومًا ، وهو ظاهر متبادر ، وبه قال الحسن وغيره ، وعن ابن عباس: {من كان ميتًا فأحييناه} حمزة عم النبي A {ومن مثله في الظلمات} أبو جهل لعنة الله ، رجع حمزة رضى الله عنه من الصيد ، ودخل المسجد ليطوف وكانت عادته إذا رجع منه أن يطوف قيل أن يدخل بيته ، فأخبر بسبّ أبي جهل لعنه الله رسول الله A ، فأقبل عليه غضبان يضربه بقوسه ، فجعل أبو جعل يتضرع ويقول: يا أبا يعلى ألا ترى ما جاء به سفَّه عقولنا ، وسب آلهتنا ، وخالف آباءنا ، فقال حمزة: ومن أسفه منكم عقولا ، تعبدون الحجارة من دون الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدًا رسول الله ، فحينئذ أسلم حمزة فنزلت سورة الأنعام جملة وفيها هذه الآية في شأنه ، وهذا الإيضاح منى .