فهرس الكتاب

الصفحة 2033 من 7694

{وهُو الَّذى يتوفَّاكم باللَّيل} يأخذ أرواحكم الذي هي أرواح اليقظة وافية بالليل ، فيكون النوم لزوال الإحساس والتمييز ، فإن التوفي قبض الشيء وافيًا بتمامه ، وهذا معنى موجود في قبض روح اليقظة كلها ، وإن شيئت فاعتبره شهرة التوفي في الإماتة حتى كأنه أصل فان فيه ، فتستعير التوفي للإنامة ، وتشتق منه يتوفي بمعنى ينيم ، ووجه الشبه زوال الإحساس والتمييز ، والخطاب للكفار ، لأنهم الذين ينامون الليل كله ، ولا يلزم ذلك ، لأن اللفظ يصلح بمن ينام بعض الليل ، لكن الخطاب قبل هذا الكفار فترجح أن يكون لهم هذا أيضًا ، والباء بمعنى في ، ويجوز مرجوحًا أن يكون على أصلها لأن ظلمة الليل سبب وآلة للتوفي ، والله غنى عن الآلة والسبب ، لكن جاء اللفظ على ذلك .

{ويعلم ما جَرحْتُم بالنَّهار} ما كسبتم فيه من الأعمال ذكر في شأن الليل المتوفي ، وفي شأن النهار الكسب لأن النوم معتاد بالليل والكسب بالنهار ، ولو كان النوم يقع أيضا نهارًا وكسب الأعمال ليلا ، والمراد كسب أعمال السوق ، لأن الخطاب للمشركين وهم يعاقبون على صغائرهم وكبائرهم ولا ثواب لهم في الآخرة على ما عملوا من خير ، ويجوز أن يكون جرحتم من الجرح البدن كأن الذنب جرح في الدين والعربن تقول:

جرح اللسان كجرح اليد ... فطب كلام المرء طيب كلامه

{ثمَّ يبعثُكُم فِيهِ} يوقظكم في النهار من نوم الليل ، وهذا مما يؤيد أن الخطاب في يتوفاكم وما بعده للمشركين ، لأنهم المعتادون للنون إلى طلوع الشمس وما بعده ، ولو كان طلوع الفجر أيضا نهارًا لكن على خلاف ، وقد علمت أن الضمير في فيه عائد إلى النهار ، ويجوز عوده إلى ما جرحتم ، أي يبعثكم في شأن ما جرحتم بالنهار ، أي لأجله فيجازيكم به ، فالبعث بعثهم من القبور على هذا ، أو أراد أنه يوقظهم في شأن عمل النهار الآخر يعملوه ، وأجاز عبد الملك بن كثير عوده على التوفي ، أي يوقظكم في التوفي ، أي في خلال التوفي ، والجمهور على عوده إلى النهار ، وبه قال مجاهد ، ويبعث بمعنى يوقظ حقيقة لغوية ، لأن البعث لغة مطلق الإنهاض ، وباعتبار شهرته في الشرع بمعنى إقامة الموتى من قبورهم يكون أصلا ثانيًا ، فيكون استعماله بمعنى الإيقاظ استعارة ، وإذا اعتبرنا شهرة التوفي بمعنى الإماتة ، وشهرة البعث في إقامة الموتى كان البعث ترشيحا في استعارة التوفي للإنامة .

{ليُقْضى أجلٌ مسمّى} أي لتقضوا أجلا مسمى محدودًا ، أي يستوفي كل منكم عمره ، أو ليقضى الله أجلا مسمى ، أي يوفي لكل كنكم عمره ، ويدل لهذا الآخر قراءة بعض ليقضى أجلا مسمى بالبناء للفاعل ، ونصب أجل فإن الفاعل في هذه القراءة ضمير الله .

{ثمَّ إليه مرجِعُكم} بالموت وبالبعث ، والعطف على الجعلة الفعلية التي هي يبعثكم ، فثم على أصلها في تراخى النسبة ، وإن عطف على يقضى أجل كانت أيضا على أصلها في تراخى النسبة ، لأن الأجل المسمى عمر كل واحد إلى الموت ، وبين الموت أو الرجوع إلى الله بالبعث مدة متراخية ، إلا إن عطفناه على يقضى أجل مسمى ، وفسرنا الموجع بالموت والأجل المسممى أيضا بتمام العمر ، كانت لتراخى الرتبة ، فإن الشأن الأعظم في كون الموت رجوعًا إلى الله ، وكذا إن فسرنا الأجل المسمى بتمام اللبث في القبور ، والمجع بالبعث ، ثم إذا جعلنا اللام للصيرورة فلا إشكال ، وإن جعلناها للتعليل ، فالأجل المسمى مدة اللبث في القبور والبعث من القبور علة لهذه المدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت