{فلمَّا أن} صلة {جَاء البشيرُ} ابن أمته المذكور ، وهو اسمه ، ويجوز أنه يراد به الوصف ، ولو وافق اسمه بالقميص {ألقاهُ} يعقوب والهاء للقميص ، وقيل: ألقاء البشير ، وقام صياح في آله من البشارة فرحين ، وأقبلوا يبكون فرحا ، وصاحت زينة فغشى عليها ، وأفاقت وأتت ولدها ، ولما وصلت غشرى عليها ، وقال ابن عباس: البشير صفةن وأنه يهودا جاء بالقميص وألقاه هو أو يعقوب .
{عَلى وجْهِه} أي وجه يعقوب {فارتدَّ} صار {بصيرًا قالَ} لمن حضره من ولد وولد ولدٍ وقاربة: {ألم أقلْ لكُم إنِّى أعلم مِنَ اللّهِ ما لا تعْلمونَ} الجملة مقول القول إشارة إلى قوله لهم: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} هذا هو الظاهر عندي ، وقيل: إن الوقف على لكم ، وإن مقول القول محذوف ، أي ألم أقل لكم لا تيئسوا من روح الله ، أو لم أقل لكم إني لأجد ريح يوسف .
ثم ضم يهودا إلى صدره ، ونظر في وجه البشر ساعة ثم قال البشير: يا نبي الله ، أنا الذي فرقت بينى وبين والدتى ، أنا البشير فبكى يعقوب عليه السلام وقال: واحسرتاه على ما فعلت يا بشير ، أما علمت أن وجع الفراق شديد ، سلنى حاجتك ، قال: إني لا أحتاج إلى الدنيا يا نبي الله ، فقال يعقوب عليه السلام: إذا أصابك شيء: فقل: يا لطيف يا لطيف يا لطيف الطف بى ، وبجميع أمورى كلها ، أمور دنياى وأخراى لما ترضى ، ثم قال له: هوَّن الله عليك سكرات الموت كما كانت على العموم .
ثم رفع إليه الكتاب بخط يوسف عليه السلام ، فوضعه على خده وقال: وا طول شوقاه إلى كتابك يا يوسف ، ثم فكه وقرأه وفيه: يا أبت طلبت أن أزورك فأمرنى ربي أن أدعوك إلى حضرتى ومقالى ، لتكون لك فرحتان ، فرحة اللقاء ، وفرحة العطاء ، وقد أنفذت إليك يا ولدى مائة وثمانين دستا من الثياب ، وعمائم مذهبة لأولاد إخوتى الذكور ، وقمصان مذهبة للإناث ، ولكل واحد منهم لباس ، ولك دست من الثياب الملكية ، وأرسل إليهم مائتى راحلة ليجيئوا عليها ، أو أسألك أن لا تتزاهد في ثيابنا ، ولا تدخل مصر إلى في هيئة حسنة لئلا يشمت بك الأعداء ، والحاسدون ، ويعيرون بفقركم ومسكنتكم ، فإن ها هنا كفارا قبطيين ، ففعل كما أحب يوسف .
وروى أنه قال: قال البشير: كيف تركت يوسف؟ قال: تركته ملك مصر ، قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام ، قال: الحمد لله الآن تمت النعمة .