{حتَّى إذا اسْتيأسَ} أي ضجروا ضجرا شديدا من طول تأخير النصر شبيها بالإياس ، وحاشاهم أن يأيسوا من شيء وعده الله لهم ، وهذه لا يتصور ممن صدق إيمانه فضلا عن نبي ، أو المراد ما يحدث في النفس وتعاند به من القنوط ، مع أنك غير جازم به ، ولا مساعد لها ، وهم بشر وحتى للابتداء ، وليست إلا ابتدائية خارجة عن الغاية بالكلية كما قد يتوهم ، فإن معناها كمعنى فاء السببية ، والتسبب غاية من حيث أنه ارتباط ، وأن استيئاسهم مسبب عن تراخى النصر ، وليست جارة لإذا على الصحيح ولا متعلقة ، ومن أطلق أنها متعلقة كالزمخشرى ، فمراده التعلق المعنى ، فإن معناها مع ما بعدها متعلق لمحذوف ، ومرتبط به أي لا يغرر قومك يا محمد تمادى إياهم ، فإن من قبلهم أملهوا وتراخى نصر الله الرسل عليهم حتى إذا استيأس عن النصر عليهم ، أو عن إيامانهم لعدم ما يكفيهم عن الكفر ، ووجود مقتضياتهم من كونهم غالبين ومترفهين .
{وظنُّوا} أي أيقن الرسل {أنهم قَدْ كُذِبوا} أي أنهم قد كذبهم قومهم إلى الأبد ، لا تكذيبا ييرجى له الإيمان كما أشار إليه قتادة ، فالضمائر كلها للرسل ، أو الظن بمعنى عدم اليقين رجحانا أو شكا ، فالمكذبون على هذا بكسر الذال هم المؤمنون ، أي وظن الرسل من غير قطع أنهم قد كذبهم من آمن بهم لرؤيته تغلب الكفرة ، وعدم النصر ، وشدة المحنة عليهم كما قال عروة بن الزبير ، والضمائر أيضا للرسل ، وليس هذا الظن بالمؤمنين الذي بمعنى الرجحان مؤاخذا عليه لأنه يجئ مثلا في نفوس الرسل ضرورة ، وذلك قراءة نافع ، وابن كثير ، وأبي عمرو ، وابن عامر بالبناء للمفعول والتشديد ، وكذا تقرأ عائشة ، وقرا الباقون بتخفيف الذال والبناء للمفعول ، أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم لا ينصرون بتخفيف ذال كذبتهم ، أي لم تخبرهم بصدق ، والضمائر أيضا للرسل ، وهكذا إذا قلنا كذبهم رجاؤهم بالتخفيف ، أي لم يطابق لهم النصر ، وهكذا إذا قلنا كذبهم قومهم بالتخفيف ، أي لم يخبرهم قومهم بصدق أي وعدوا لهم الإيمان مطلقا ، أو على شرط الإتيان بآية .
وإن قلنا: إن المعنى ظن القوم أن رسلهم قد كذبوا بالتخفيف ، أي لم يخبرهم بصدق من أمرهم بدعاء الخلق إلى الله ، أو بمجئ الوعيد والنصر على عدم إجابة الخلق لهم قالوا وفي ظنوا للمرسل إليهم بفتح السين ، وفي أنه وفي كذبوا للرسل ، فكأنه قيل: ظن القوم أن رسلهم قد أخلفهم الله أو جبريل الوعد تعالى الله وجبريل عن ذلك .
وعن ابن عباس: إن الرسل ظنوا أن الله أو جبريل أخلفهم الوعد ، فإن صح عنه هذا فمعنى ظنهم ما تحدث به النفس على طريق الوسوسة ، والإنسان كاره له ناف ، وهي تعاند به كما روى عنه أنه قال: إن الرسل بشر يعني تحدثهم أنفسهم كما تحدث غيرهم نفسه ، أو المراد بظنهم التمثيل لشدة تأخير النصر .