{أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} : قال سيبويه: الواو للعطف دخلت على ألف الاستفهام ، انتهى . وهو محتمل لأن تكون الهمزة من المعطوف بالواو لكن قد حلت على الواو ، والعطف على {وما يكفر بها إلا الفاسقون} ومحتمل لأن تكون على محذوف معطوف عليه ، أي كفروا بالآيات البينات ، وكلما عاهدوا عهدًا ، والعطف على الأول عطف إنشاء على أخبار ، وعلى الثاني عطف أخبار على إنشاء ، وعندي يجوز كون الواو للاستئناف والهمزة مما بعدها ، وأصل واو الاستئناف العطف عندي ، وقرأ ابن السمال ( بسين مهملة وميم مشددة ولا بعد ألف ) أو كلما بإسكان الواو ، فهي أو العاطفة ، وهي لتنويع من يكفر بها ، وكأنهُ قيل وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهد الله مرارًا كثيرة ، كلما عاهدوا نقضوا ، لا بمعنى بل ، وقال الكوفيون وأبو على وأبو الفتح وابن برهان: إنها للإضراب كبل ، أي كلما عاهدوا . ذكره ابن هشام . وإنما يجوز هذا عند سيبويه أن تقدم نفى أو نهى ، وأعيد مع العامل نحو ما قام زيد أو ما قام عمر ، ولا يقم زيد أو لا يقم عمرن ونقله ابن هشام عن ابن عصفور عن سيبويه ، وكل ظرف متعلق بنبذ على حد ما مر ، وقرئ عوهدوا ، وقرئ عهدوا ، أي كلما عاهدوا الله عهدًا ، أو كلما أخذ الله منهم العهد أن يؤمنوا بمن يبعث الله رسولا وينصروه على المشركين ، ويعملوا بما أوحى إليه ، أو كلما عاهدوا نبيا بعد إرسال الله إياه أن يعينوه على المشركين . وقال العهد الذي أخذ عنهم ونبذوه هو ما أخذ عليهم في التوراة من أمر النبي ، A ، ومعنى نبذوه طرحوه ، والنبذ الطرح ، والغالب استعماله فما ينسى ، والمراد الإعراض والترك لذلك العهد ونقضهُ ، وقد قرأ ابن مسعود: أوَ كلما عاهدوا عهدا نقضه فريق منهم ، أي من اليهود . ومحط الاستفهام التوبيخ الإنكارى ، هو قوله: {نبذه} وإنما قال فريق لأنه منهم من لم ينقض وهم قليل ، وإطلاق الفريق على الأكثر جائز ، فإن الأكثر هم الناقضون كما قال الله جل وعلا:
{بَلْ أَكْثَرُهُم لاَ يُؤمِنُونَ} : وفيه إشارة إلى إشارة إلى أنهُ لم ينبذ سرا لأن ما يفعلهُ جمهور القوم من شأنه الشهرة والظهور ، وبل للانتقال ، والمعنى ليس من شأن أكثرهم الإيمان ، أو لايؤمنون بالتوراة فلا يأخذون الوفاء بالعهد ديانة ، وهونوا نقضهُ ولم يروه ذنبا ، ودأب اليهود نقضه ، وكم أخذ منهم ومن آبائهم فنقضوه ، وكم عاهدهم رسول الله A فلم يفوا . قال الله جل وعلا: {الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون} قال ابن عباس رضى الله عنهما: لما ذكرهم رسول الله A ما أخذ عليهم من العهود في محمد A أن يؤمنوا به ، قال مالك بن الصيف: والله ما عهد إلينا في محمد عهد فنزلت الآية {أو كلما عاهدوا} ومن عهودهم قولهم: أظل زمان نبي مبعوث في كتابنا .