{لَّن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدَ للهِ} : لن يترفع المسيح عن أن يكون عبدا لله ، يقال: نكف عن الشيء إذا تكبر عنه ، وهو من نكف الانسان الدمع إذا مسحه بيده لئلا يرى عليه أثره .
روى أن وفد نجران وكانوا من نصارى العرب قالوا لرسول الله A: لم تعيب صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى . قال: وأى شيء أقول؟ قالوا: تقول انه عبد الله ورسوله! قال: انه ليس بعار أن يكون عبدا لله ، قالوا: بلى . فنزل الآية ، لو كانت العبودية لله عيبا لم يثبتها على نفسه لله ، وقد قال: {إن عبد الله آتانى الكتاب} فان كون الانسان عبد لله شرف ، وانما الذل في أن يكون عبدا للشيطان ، أو عبدا لانسان ، وقيل: لما رأى النصارى ما جرى على يد عيسى من الخوارق للعادة جعلوه إليها ، فرد الله عليهم بأنه مع شرفه وعظم شأنه قد أقر أنه عبد الله ولا يعبد الا الله .
{وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ} : عطف على المسيحن أي ولا الملائكة المقربون ، أن يكونوا عبدا لله ، والمقربون خاصة الملائكة ، وهم المكروبيون كما في السؤالات ، فان كرب وقرب بمعنى واحد ، وجبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل وحملة العرش ونحوهم من أفاضل الملائكة ، ومن حول العرش أو من أعلى منهم رتبة ، ولا سيما عامتهم فانهم مع اجتهادهم في العبادة لا يأنفون من أن يكونوا عبادا لله ، بل ما اجتهدوا في العبادة الا لتوغلهم في العبودية {إن كل من في السموات والأرض الا آتى الرحمن عبدا} والنصارى قبحه الله لم ينفوا عن الملائكة أن يكونوا عبادا لله ، ولكن ذكرهم الله في الرد عليهم لزيادة بيان أنه ليس لغير الله أن يأنف عن أن يكون عبدا لله سبحانه ، فليس في الآية دليل لمن استدل بها على تفضيل الملائكة على الأنبياء ، وزعم أن ذكرهم بعد عيسى لكونهم أفضلن فيكون كالبرهان في الرد على النصارى في تنزيهه عن العبودية لله ، وقد ثبتت لهم فكيف هو فكثير ما يذكر الشيء استطرادا مع ما المقام له ، ولو كان مفضولا كقولك أصبح زيد لا يخالفه رئيس ولا مرءوس ، ولو سلمنا أن المراد تعظيم الملائكة على عيسى تبرهنا في الرد على النصارى ، فالنزاع في تفضيل الملائكة مطلقا على تفضيل الأنبياء مطلقا ، وليس في الآية الا تفضيل المقربين من الملائكة على عيسى من الأنبياء ، وقيل ذكر الله الملائكة ردا على العرب الزاعمين أن الملائكة بنات الله ، والهه كما رد على النصارى قولهم المسيح اله أو ابن الله أي الملائكة عبدة لله عبيد له لا بنات ولا آلهة ، وقيل إن بعض النصارى أيضا يزعمون أن الملائكة آلهة كعيسى فرد الله عليهم .
{وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ} : عطف تفسير ، أو أريد بيستنكف مطلقا الامتناع او الاستنكاف ، والاستنكاف أشد الامتناع والترفع ، ولا يستعمل الاستنكاف الا حيث لا يحق الامتناع والترفع ، وأما التكبر فقد يكون حيث يحق كما في صفة الله تعالى ، لكن لا يقال الله مستكبرا أو أريد يستكبر عن مطلق الحق وعن عباد الله جل جلاله .
{فَسَيَحْشُرُهُمْ} : بالبعث ولا يطيوقون الامتناع .
{إِلَيْهِ جَمِيعًا} : فيعاقبهم ، وقريء بكسر الشين وقريء نحشرهم بالنون وضم الشين وكسرها .