{وَلَمّا جاءَهُم كِتابٌ} : القرآن .
{مِنْ عِنْدِ الله} : متعلق بجاءَ أو بمحذوف نعت الكتاب .
{مُصَدِّقٌ لِمَّا مَعَهُم} : من التوراة . وقيل ما معهم التوراة والإنجيل وذلك أن رسالة سيدنا محمد A وصفته مذكورتان في التوراة والإنجيل كما ذُكرت رسالته في القرآن وصفته ، مثل قوله تعالى: {إنك لعلى خلق عظيم} وقرئ ( مصدقًا ) بالنصب على الحال من كتا بعلى أن من عند الله نعت لكتاب وسوغ مجئ الحال من النكرة وصفها ولك تعليق من عند الله أيضًا في هذه القراءة بجاءَ ، والمسوغ الوصف المعنى فإن تنكير كتاب للتعظيم ، ومعناه كتاب عظيم ، ويحتمل أن يكون معنى وقله: ( ما معهم ) الذي معهم من العلم برسالته وصفته أو الذي معهم من رسالته وصفته وجواب لما محذوف يقدر قبل قوله:
{وَكانُوا مِنْ قَبْلُ} : أي من قبل مجيئه .
{يَسْتَفْتِحُون} : والدليل عليه جواب لما الثانية فيقدر بلفظه ، أي ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم كفروا به ، ويجوز تقديره بما يناسب جواب الثانية وجوابها أيضًا دليل عليه ، فإن الشيء يدل على مناسبه كما يدل على مماثله ، ويستشعر بذكره أي ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم كذبوا به أو استهانوا به أو ما أشبه ذلك ، ومعنى يستفتحون يستنصرون . قال الله جل وعلا: {فعسى الله أن يأتي بالفتح} أي بالنصر ، أي يطلبون من الله الفتح أي النصر بسيدنا محمد A على مشركي العرب إذ آذوهم ، كما قال الله جل وعلا:
{عَلَى الّذين كَفَرُوا} : أي مشركي العرب يقولون اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة ، ويقولون في ظل بعث نبي نقتلكم معه ، قتل عاد وإرم ، وقيل: كانوا يقولون اللهم ائت بهذا النبي يقتل العرب ويذلهم ، فلما رأوه من غيرهم كفروا به كما ذكره الله ، وقيل إذا غلبتهم الأوس أو الخزرج قالوا لهم لو خرج النبي الذي أظل وقته لقاتلناكم معه واستنصرنا عليكم به . وذكر ابن القطان وهو حسن بن على ابن عبد الملك ، وليس عبدالملك الذي هو سلطان جائر مستعملا للحجاج: أن يهود المدنية كانوا يقاتلون العرب ، فكلما التقوا غلبهم العرب فقالوا: الهلم إنا نسألك بحق محمد A النبي الأمى الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم ، فنصرهم ، فكانوا يقولون وينصرون ، ولما بعثه الله كفروا به . وذكر ابن بكر محمد بن حسين الأحرى عن ابن عباس: أن يهود خيبر يقاتلون غطفان ، فكلما التقوا هزمت اليهود فدعوا بهذا الدعاء فنصروا فكانوا يدعون وينصرون ، فلما بعث كفروا به ، وروى أن قريظة والنضير وجميع يهود الحجاز في ذلك الوقت يستنصرون على سائر العرب بخروج النبي ، A وكان اليهود ينتقلون إلى الحجاز ويهاجرون إليه لعلمهم بأنه موضع بعثته A ويجوز أن يكون المراد يستفتحون بالنبي ، A ، لأنه نزل عليه ويعمل هو بما فيه من جهاد الذين كفروا ، ويجوز أن يكون المعنى الفتح على الذين كفروا فيما أغلق عنهم ، أي تبيينهم للذين كفروا ما لم يعرفوا من كون نبي يبعث من العرب هو آخر الأنبياء مهاجره يثرب ومولده مكة ، وقد قرب زمانه .