{الَّذِينَ آمنُوا} بالله ورسوله وكل ما يجب الإيمان به {ولم يَلبِسُوا} يخلطوا {إيمانَهم بظُلمٍ} هو الكبائر الشرك وما دونه {أولئكَ لَهم الأمنُ} من عذاب النار ، الذين مبتدأ ، وأولئك مبتدأ ثانٍ ، والأمن مبتدأ ثالث ، ولهم خبره ، والجملة خبر الثاني ، والمجموع خبر الأول ، وذلك من كلام اله جل وعلا من كلام الليل ، بين به أي الفريقين أحق بالأمن ، وتم كلام إبراهيم في قوله تعالى ، ويجوز أن يكون تمام كلام إبراهيم مهتدون من قوله:
{وهُم مُهتَدُون} إلى الحق ، ثم رأيت الوجهين للقاضي والحمد لله ، وإنما اخترت أنه من كلام الله تعالى ، لأن الأنسب بالمشرك المتوغل في الشرك ، الحريص فيه ، يزحزح عنه بالتدريج فالأليق بإبراهيم أن يذكر لأبيه الإيمان ، فالولاية تفيد أنهُ من آمن ومات على ذنب مصر عليه ليس له الأمن ، فذلك كقوله تعالى: {أو كسبت في إيمانها خيرًا} وسواء في ذلك الظلم ظلم نفسه بذنب ما بينه وبين الله ، أو ظلم غيره .
وما أكثر تخالط الأشعرية ، فتارة يقولون: الفساق بعضهم في النار ثم يخرجون منها ، وبعضهم لا يدخلونها ولو ماتوا مصرين ، وتارة قالوا: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ، وقالوا في الآية: {إن الظلم لشرك} وقالوا عن ابن مسعود رضى الله عنه: لما نزلت {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على المسلمين وقالو: أيتا لا يظلم نفسه ، فقال رسول الله A: « ليس ذلك إنما هو الشرك ، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: يا بنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم » في رواية: « ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه يا بنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم » فإن صحت الرواية عن ابن مسعود رضى الله عنه فالمعنى أن رسول الله A قال: إن الآية وردت في الشرك وخطأهم في تفسيرها بمطلق الكبائر ، أو أراد أن مطلق الكبائر كالشرك بدليل الآى والأحاديث مثل: {وعملوا الصالحات} ومثل: {إنما يتقبل الله من المتقين} ومثل: {أو كسبت في إيمانها خيرًا} « وهلك المصرون » .
وروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لأبي بن كعب: يا أبا المنذر آية في كتاب الله أحزنتنى؟ قال: أية آية يا أمير المؤمنين؟ قال: قول الله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال أينا لم يظلم ، قال: يا أمير المؤمنين إنها ليست حيث تذهب ، ألم تسمع إلى قول العبد الصالح: {إن الشرك لظلم عظيم} إنما هو الشرك ، وفهم عمر على العموم هو الحق ، ولعله A يشير إلى أن الآية في أبي إبراهيم ، وأنها تفسر بالشرك ، لأن تفسيرها به أليق بجلبه إلى الإسلام ، بأن يذكر له أولا الإيمان لله ، ويذكر له أن لا يخلطه بالإشراك حتى إذا آمن وخرج عن الشرك ذكر له تفصيل الشرع ، وذلك أنه يمكن أن يقر بوجود الله ويعبد الأصنام مع ذلك فقال له إبراهيم: إنما الآمن من أقر به ، وخرج عن عبادة الأصنام وذلك في الشرك ، يجبُّ الإسلام ما قبله ، ويستقبل بعده تفاصيل الشرع ومنها شرط الإصرار لما بعد وذلك لدلالة الآيات والأحاديث .