{وَلَوْ اَنَّهُمْ آمَنُوا} : أي ولو ثبت أن اليهود آمنوا برسول الله A والقرآن .
{وَاتَّقَوْا} : أي تركوا المعاصى من السحر واليهودية وغيرهما تركا شبيها بترك ما يهرب منه خوفا من إهلاكه ، وإنما قلت هذا لما تقرر عندي أن المتقى هو من يترك المعصية كما يترك السم خائفا منه مقشعرا منه . فدرجة التقوى عندي فوق درجة ترك المعصية ، لأنها قد تترك لا بهذه الكيفية .
{لَمَثُوبَةٌ} : ثواب ، وقرئ لمثوبة بإسكان الثاء وفتح الواو كما يقال مشورة بضم الميم وإسكان الواو ، ومشورة بإسكانها وفتح الباء وذلك الثواب الجنة .
{مِّنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ} : مثوبة مبتدأ ، واللام مبتدأ وخبر خبره ، والجملة جواب لو بناء على أنه يجوز أن يكون جملة اسمية ، قال ابن هشام: قيل وقد يكون جملة اسمية مقرونًا بالفاء أو باللام ، كقوله سبحانهُ: {ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير} وقيل هو جواب لقسم مقدر . وقول الشاعر:
قالت سلامة لم ين لك عادة ... أن تترك الأعداء حتى تعزرا
لو كان قتلى يا سلام فراحة ... لكن فررت مخالفة أن أوسرا
وعلى أن الجواب هو الجملة الاسمية ، فهي منقولة من الجملة الفعلية ، لتدل على ثبوت المثوبة وتجعل خيرية ركنا في الإسناد ، فتكون أكيدة والأصل لا يثبوا مثوبة من عند الله خير ، فجعل مثوبة مبتدأ بعد أن كان مفعولا به وخيرًا خبره بعد أن كان نعتا لمثوبة . وإذ قلنا إن الجواب محذوف وهو الصحيح فتقديره لأثيبوا بالجنة وتكون اللام في لمثوبة لام الابتداء عندي لا كما قيل إنها في جواب قسم محذوف ، أي والله لمثوبة لعدم الدليل على القسم ، ونكرت المثوبة وأبهمت مع أنها الجنة للتعظيم والتفخيم ، ولو قيل للمثوبة أو لمثوبة الله لكان الكلام غير دال على ذلك ،
ويجوز أن يكون التنكير للتبعيض ، أي لشيء من الثواب خير ، وحذفت من التفضيلية ومجرورها صونًا لمثوبة الله من أن يذكر معها في مقام المقابلة والنسبة بأن التفاضل السحر أو نحوه فإن التقدير لمثوبة من عند الله خير من السحر ، أو مما شروا به أنفسهم ، وإنما ساغ التفضيل لأن السحر فيه منفعة لهم في زعمهم ، فأخبر أن منفعة الإيمان والتقوى أفضل منها ، فلا تحتاج إلى ما قيل إن خيرا خارج عن التفضيل أو كلمة بمعنى شيء مرغوب فيه ، ومن عند الله نعت مثوبة ، وسمى الجزاء ثوابا لأن المحسن يثوب إليه أي يرجع إليه ، فإن لفظ ثاب بمثلثة يكون بمعنى رجع ، كما يكون تاب بمثناة بمعنى رجع ، ويجوز أن تكون أو للتمنى إما مصروفا إلى الخلق بمعنى أن ينظر لهم الصلاح يتنمى لهم أن يؤمنوا ويتقوا ، أو أنهم لو عقلوا لتمنوا أن لم يصدر منهم الكفر ، أو أنهم يتمنون ذلك إذا عاينوا الموت أو في يوم القيامة ، وإما مجازًا عن اختيار الله D لهم الإيمان والاتقاء .