{ولا تَقْربُوا مالَ اليتيم إلاَّ بالتي هِىَ أحْسَنُ} إلا بالفعلة التي هي أحسن كالسعى في حفظه جدًّا ، وفي انمائه بتجر وسقى ونحو ذلك ، وإخراج الزكاة منه ، حرم الله بهذا تضييعه وخيانته بأخذه أو أخذ بعضه ، أو إعطاء بعضه فيما لا يجب فيه ، ولا يعود نفعه عيه ، ولكن لا يتصدق منه ، وقيل: يتصدق منه بقليل على اليتيم فيكون حفظا لماله ، ونموًّا له ، وفي الحديث: « اتجروا بمال اليتيم لا تأكله الزكاة » وفسر مجاهد التي هي أحسن بالتجر فيه وفسره الضحاك بأن يسعى فيه ولا يأخذ من ربحه شيئا إن كان غنيا ، وإلا أكل بمعروف ، وأحسن اسم تفضيل على بابه ، أي أحسن ما يحفظ به المال وينمو ، وأحسن مما يحفظون به أموالكم وتنموها به .
{حتَّى يبلُغ أشدَّهُ} قوته بدنا وعقلا بأن يبلغ ويؤنس رشده ، وهو مفرد كآنك أو جمع شدة كنعمة وأنعم بكسر أول المفرد أو جمع شد بكسره أيضا ، والكل بمعنى القوة ، فإذا بلغ أشده فأوصلوه يده .
{وأوفُوا الكيْلَ والميزانَ بالقِسْط} بالعدل بأن لا ينقص الذي يعطى من ماله ، ولا تتجاوز الذي يأخذ إلى زيادة بأن يطلب من يعطى أن يزيد ، أو يزيد هو بأن يبيح له من عليه الحق أن يكيل أو يزن هو ، والخطاب لمن يكيل ويزن ، ومن يكال له ويزن له فبالقسط حال مؤسسة باعتبار الذي يأخذ ، أي يقتصر على إيفاء الحق ممن عليه الحق له ، لا يتعدى إلى زيادة ، ومؤكدة باعتبار من عليه الحق ، ولا مانع من مجئ الحال مؤكدة باعتبار ، ومؤسسة باعتبار آخرن وإن جعلنا الخطاب لمن عليه الحق لأنه الذي يكيل ويزن أصالة فهي مؤكدة .
{لا نُكلِّف نفسًا إلا وُسْعها} لما كان الكيل والوزن مما لا طاقة لأحد على الوقف على حدهما بلا زيادة ولا نقصان ، كما ذكره الشيخ إسماعيل C ، قال تعالى: لم ألزمكم فيهما إلا جهدكم إلى إلا ما تسعه طاقتكم ، ولا تقدر على سواه من العدل ، فالوسع ليس هنا ما ستعه طاقتك وتسع أكثر منه مما هو عدل ، والحاصل أن المراد أقصى طاقتكم ، وما وراء ذلك من زيادة من يكيل أو يزن من مقال غيره أو من نقص من يكيل أو يزن من ماله معفو عنه ، كما ندب الذي له الحق أن ينقص قليلا حوطة ، لأنه إذا استقصى في حقه فقد تعرض للشر بأن يزيد ، وندب الذي عليه الحق أن يزيد حوطة من غير أن يلزم من عليه الحق أن يزيد ما عسر عليه ، أو من له الحق أن ينقص ما يعسر عليه ، ثم إنه يجوز حمل قوله: {لا نكلف نفسًا إلا وسعها} على أن يعود إلى الايفاءس بالكيل والوزن بالقسط ، وإلى قوله: {لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} أو إلى ذلك وجميع التكاليف .