{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أوَ لم يعلموا . وقرأ ابن كثير بإِسقاط الواو . {أَنَّ السَّمَوَاتِ} أي هذه الجملة التي هي سموات ، ولذا قال: كانتا ولم يقل: كنَّ .
{وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا} ذاتَىْ رتقٍ ، أو مرتوقتين ، أو أخبر بالمصدر مبالغة . والرتق: الضم . كانت السمواتُ شيئا واحدًا والأرض شيئا واحدًا .
{فَفَتَقْنَاهُمَا} سمواتٍ وأرَضينَ ، أو كانت السموات متصلات ، كورقة على ورقة ، والأرضون كذلك ، فرفعت كل عن الأخرى ، أو كانت السموات ملقاة على الأرض ، فرفعت وفتقت ، أو كانت السموات والأرضون شيئًا ، ففتق سموات وأرضين ، وهو قول ابن عباس .
وعن كعب: كانتا ملتزقتين ، فخلق ريحًا بوسطها ففتحها .
وقيل: معنى كون السموات رتقا لا تمطر ، بناء على أن السموات كلها لها مدخل في الإمطار ، أو المراد السماء الدنيا ، وجمعت باعتبار الآفاق . ومعنى كون الأرض رتقا لا تنبت ، ففتقهما بالإمطار والإنبات ، وهو قول الكلبى . ولم أبحث عن أصحاب الأقوال السابقة .
وعن الزجاج: السموات جمع أريد به الواحد ولذا قال: كانتا بناء على قول الكلبى ، وفتقت بعد الرفع قبل ويناسب قول الكلبى: وجعلنا من الماء كل شيء حى .
وقالت فرقة: كانتا رتقا بالظلمة ، ففتقهما بالضوء .
قيل: والرؤية على هذين القولين: قول الكلبى وقول الفرقة: رؤية عين .
قلت: لا تكون بالعين بل بالقلب ، فإنهم لم يكونوا موجودين في حال كونهما ظَلْماوَيْنِ ، ولا في حال كون السماء لا تمطر ، والأرض لا تنبت .
والمراد: ألم يعلموا أن الأمر قد كان كذلك؟
وإن قلت: من أين عَلِم الكفرة ذلك حتى قال: {أو لم ير الذين كفروا} ؟
قلت: ما قال ذلك إلا بُعيْد إنزال ما يعلمون عنه ذلك في القرآن . والقرآن معجزة يوجب العلم ، أو بعد ما علموا ذلك من الكتب السابقة ، كالتوراة والإنجيل بواسطة علمائها ، أو قال ذلك لأن لهم نظرًا يوصلهم إلى ذلك لو استعملوه؛ فإن العقل كون السموات والأرض متصلتين ، وكونهما منفصلتين ، فلا بد من كونهما على أحد الشقين ، وهو الانفصال من مختار مخصّص .
هذا . ولك أن تجعل الرؤية مطلقا رؤية بصر ، جُعل ذلك كأنه شيء محسوس لقوة الدلالة .
وقرئ رتقا ، بالفتح للراء والتاء معا ، أي شيئا مرتوقا كالرفض بمعنى المرفوض .
{وَجَعَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ كُلَّ شَئٍ حَىٍّ} الجعل بمعنى الخلق ، فله مفعول واحد أي خلقنا من الماء كل شيء حى .
معنى خلقه منه: أنه جعل الماء أعظم ما بنى عليه؛ فإنه مخلوق من النطفة . والنطفة إنما هي من ماء وطعام ، و الطعام إنما هو من الماء ، وبعد خلقه يحتاج إلى ما يتقوت به ، ولا قوت إلا من الماء ويحتاج إلى الماء نفسه للشرب وغيره ، احتياجا شديدًا ، ولا يكاد يصبر عنه ، فكأَنه مخلوق منه بعينه لذلك ، ولكونه لا يحيى إلا به ، كقوله: {خُلق الإنسان من عجل} ودخل في الشجر والنبات ، فإنها خلقت بالماء ، وبه تحيى .